السبت، 10 مايو 2014

للانتقال حكايات مضيئة

للانتقال حكايات مضيئة

لـ منى بنت حبراس السليمية

 

 كنت دائما أتخيل الإحساس الذي يشعر به المرء حال انتقاله للسكنى في بيت جديد، ولأنني مذ ولدت وفتحت عيني في هذه الحياة لم نستبدل ببيتنا بيتا آخر، فقد كانت الرغبة ملحة في تجربة الإحساس الذي طالما تخيلته ممتعا ولذيذا، وتخيلتني أبقى شهرا كاملا أحوم بين مرافق البيت الجديد جيئة وذهابا، لأصدق بأنني أعيش الواقع لا الحلم.

ولأن شيئا من ذلك لم يحدث، ولا أظن أنه سيحدث في يوم ما، فقد كنت أسألهم - ولمَّا أزل في عمري الطفولي - لمَ لا ننتقل إلى بيت جديد كما يفعل جيراننا، وصديقاتي اللائي لم تصمت ألسنتهن عن سرد حكايات البيت الجديد وأثاثه ومقتنياته، وسرعان ما يُردُّ عليّ بأن بيتنا جديد أيضا، وأننا انتقلنا للسكن فيه مذ كان عمري سبعة أشهر فقط!

فيا للحدث الجديد الذي فاتني بغتة إذن، رغم أن جهاز البصمة أكد وجود إبهامي الصغير في ذلك اليوم المشهود الذي لم أشهده! وليس بالمقدور إعادته ولا محاولة عيشه من جديد، ولكن عشرين عاما أخرى أهدتني الإحساس الذي تمنيت، فها هي وزارة التعليم العالي تنتقل إلى مبناها بمرتفعات المطار لتهديني الفرح الذي تمنيته عمرا، فأحسست بالطفولة المفقودة تتلبسني فجأة، فرُحت أقول للموظفات معي إن هذه أجمل أيام العمر في هذه الوزارة! ولحظتُ استغراب بعضهن من انفعالي المبالغ فيه، ولكن ذلك لم يكن ليثنيني عن التعبير عن تلك السعادة، التي لم أتورع معها عن التجوال حيث المكاتب التي ليست لي، ولا ينبغي لغير حاملي بطاقات الدخول إليها الوجود هناك! فللطفلة داخلي حقٌ ولابد أن أؤديه!

     ولكن بدا أيضا أن الانتقال يكشف عن بعض الهدايا غير المقصودة، ففي اليوم الأخير في مبنى الوزارة بروي، وجدت على طاولة مكتبي كتابا عنوانه "السكون المتحرك" في الجزء الأول منه، فهرعت أقلب صفحاته فوجدته كتابا نقديا في الشعر البحريني، يا للهدية الساحرة التي كادت تختطفني لتسلمني للصفحات التي لا تنفك تثير فيَّ تلك الرغبة المجنونة في اعتزال العالم في حضرة الكتاب! ولكن من هذا الذي وضع الكتاب هنا، فمن المؤكد أنه يقصد تماما وضعه فوق طاولتي؛ فقد علم بعلاقتي بالنقد الأدبي حتما، ولكن أين إهداؤه؟ وأين اسمه؟ قلبت الصفحات مجددا علِّي أعثر على قصاصة صغيرة بقلبه أو - إن بالغت في التفاؤل الرومانسي – وردة حمراء مدعوسة بين صفحات الكتاب الضخم!

     ولكني لم أعثر على شيء من ذلك، فقد بدا أنها هدية غير مقصودة، تسبب فيها الانتقال لمبنى الوزارة الجديد الذي جعل الموظفين "يرقطون" حاجياتهم الخاصة وعزلها عن تلك التي لها صلة بالعمل، فوجد أحدهم الكتاب فائضا عن حاجته، فآثر أن يضعه على طاولتي، فعلى الأقل سيضمن قارئا لكتاب كان محتملا أن يؤول إلى سلة المهملات كمعظم الكتب في عالمنا الجميل، فألف شكر لواضعه بعد كل شيء!

     وبعد أن ارتحت لهذا الخاطر الذي فسر لي وجود "السكون المتحرك"، وجدتني أتفاءل بعام جديد بدت ملامحه أكثر جمالا بمقدمات سعيدة، ليس الانتقال إلى المبنى الجديد أوحدها، وليس كتاب "السكون المتحرك" ثانيها، بل لأن العام 2011م غادرنا بإنجازات جميلة، ولأن خطط العام القادم مازالت تحتفي بجديدها الذي ورثته من سلفه، ليمتد الفرح باتجاه المستقبل أياما أخرى على الأقل، ففي الأيام القادمة أشياء مازالت لم تبح بها غيمات السماء التي أراها متمسكة بصفحة الأفق.

يناير 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق