الجمعة، 22 مايو 2015

عليا

عليا

منى بنت حبراس السليمية

كانت نائمة بسلام في تلك الغرفة في الناحية الغربية من البيت. الساعة تشير إلى السادسة صباحا في ثالث أيام عيد أضحى من عام 92. البيت يضج بأصوات غريبة لم أعتد مثلها طوال سنيني الثمان. عجزت للوهلة الأولى عن فهم سبب الصراخ والعويل الذي كان يصدر عن تلك الغرفة.

جررتُ خطواتي نحو مصدر الصوت برأس أشعث وعيون لم تغسل عنها غبش النوم بعد. كنتُ خائفة من الأصوات أكثر من خوفي من المشهد الذي لم يكن يختلف عن رؤيتها نائمة، ولكن بعينين نصف مفتوحتين.

"عليا ماتت .."
ما كنت أعرف من الموت أكثر من كلمة في كتاب مدرسي. وحتى عندما رأيتها مسجاة أمامي لم أتعرف عليه. فيما شعرت أن الغرفة كانت باردة أكثر مما ينبغي.

سمعتهم يقولون بعد ساعة من النشيج والبكاء حول الجسد الصغير: "الصغار يبقون في البيت. لا تدعوهم يشاهدون عملية الغسل والتكفين"!

أثارتني هذه العبارة أكثر من سابقتها! ولم أكن وحدي من استفزها الفضول؛ فقد شدتني أخت لي أخرى - تكبرنا نحن الاثنتين - من يدي هامسة في أذني: "أعرف مكانا نستطيع أن نشاهدهم منه"!

تصنعنا الطاعة، ولكنها ما لبثت أن دخلت بي إحدى دورات المياه المطلة على واجهة الحوش. أشارت ناحية نافذة تعلو مصطبة للجلوس، يستطيع من يصعد عليها أن يطل على ما يحدث في الخارج. قالت لي: "اصعدي أولا وانظري". صعدتُ كي أعرف ما الذي يريدون إخفاءه عنا نحن الصغار.

ثوان ونزلتُ مباشرة. قلت لها: "لا أريد"!
ترى هل رأيتُ الموت من النافذة؟ ما عدت أتذكر.
هل صعدتْ بعدي ورأت ما رأيت؟ لم أسألها.

لم أبكِ يومها، ولا في الأيام التي تلت ذلك. بكيت بعد انقضاء الإجازة الصيفية، عندما سألتني إحدى المعلمات في أول يوم دراسي: أين عليا؟

في تلك اللحظة فقط عرفتُ أنها ماتت، وبدأتُ معها حدادا متأخرا كان ينقصه الوقت اللازم للإدراك. كم عشتُ معها؟ كم عرفتُها؟ لستُ أدري.

23 عاما مضت، وليس لـ عليا سوى صورتين اثنتين وربما ثلاث .. غادرتْ ولها من العمر 7 سنوات. وعشتُ لأتذكر شذرات من حياة قصيرة لم تتسع لأكثر من اجتياز الصف الأول الابتدائي بتفوق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق