لا أعرف كيف لمجرد مُحبة للمسرح مثلي أن تتكلم عما تحب دون أن تسرد شيئا عن علاقتها البسيطة به، فلستُ أعرف غير إحساسي تجاه المسرح الذي عرفته بشكله المبسّط أول مرة في مدرسة عائشة أم المؤمنين بولاية سمائل العمانية، حيث درست طوال اثني عشر عاما، فقد كان في المدرسة مسرح بالشكل الذي نعرفه: بناء إسمنتي مرتفع بمدخلين جانبيين ويطل على مساحة مستطيلة كبيرة هي مساحة طابور الصباح الذي تنتصب في ضلعه الأبعد والمقابل مصطبة العَلَم والإذاعة المدرسية.
لم يكن مسرح المدرسة بناءً عرَضيا يُستخدم لطابور الصباح وإذاعته المدرسية – رغم إمكانية ذلك – وهو ما عزز قيمته ورسم مهمته المحددة، كما لم يكن مجرد جسم مؤقت يقام ويرفع وقت الضرورة. كان حاضرا دائما في مكانه بصبغته الزرقاء؛ ففهمت باكرا أن المسرح يشكل أهمية بالغة لهذه المؤسسة التي تسمى مدرسة.
ولكن لا ينبغي أن يفهم أن المسرح لم تكن تقام فيه سوى العروض المسرحية، بل كان مكانا للعروض الإنشادية وفقرات الأداء الحركي في مناسبات العيد الوطني وعيد المعلم ويوم التربية، والعروض المسرحية الطلابية أيضا.
تاليا، عرفت المسرح بشكل أكثر نضجا في جامعة السلطان قابوس، فالجماعات الطلابية في الجامعة تحرص على أن يكون المسرح أهم أنشطتها، فهو يستقطب حضورا طلابيا غفيرا تمتلئ له القاعات. هناك ما كنت أفوّت عرضا مسرحيا قط طوال أربع سنوات هي مدة دراستي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية.
اهتمت الجامعة بالمسرح اهتماما كبيرا، ولعل أهم أحداثها السنوية هو المهرجان المسرحي الجامعي الذي تشارك فيه الفرق المسرحية الجامعية من مختلف الجامعات والكليات العمانية لمدة أسبوع أو يزيد. هناك اكتشفت حلقات النقاش وجلسات نقد المسرح، وتعرفت على مدارس هذا الفن التفاعلي المباشر بشغف كبير.
في تلك الفترة من منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة عشقت المسرح، وصرت أومن بأهمية وجوده، ودوره في اختزال حياتنا العصية على القبض، وترتيب فوضاها الشاسعة في خشبته الصغيرة.
أعادني سؤال الاستطلاع أعلاه إلى جلسة جمعت مجموعة من الطالبات من كليات مختلفة إبان مهرجان المسرح الجامعي في عام 2003م، يومها كنا نناقش أهمية المسرح في حياتنا الجامعية والعامة. أتذكر كيف انبريت بحماس للدفاع عن المسرح بصفته بوابة كبيرة لفهم الفنون الأخرى، وجسرا موصلا إليها، وكانت عبارة "أعطني مسرحا أعطك شعبا مثقفا" حاضرة بقوة في نقاشاتنا الحامية، رغم أنها لم ترق لبعضنا، بينما كنت وقتها مؤمنة بها حد التعبد.
أستطيع أن أحدد أهمية المسرح ودوره بعدما افتقدته. الزخم المسرحي الذي رافق سنوات دراستنا الجامعية اختفى فجأة بعد التخرج، فلا مسرح ملموسا خارج الجامعة، باستثناء مهرجانات دورية متباعدة زمنيا ومكانيا تحول الظروف دون مواكبتها، فضلا عن صعوبات تواجه المسرح والمسرحيين لا ينفكون يتحدثون عنها: ليس أقلها غياب المسرح بمعناه الفيزيائي، وليس أكبرها غياب الدعم المادي الذي يتطلبه قيام مسرح حقيقي يستحق عناء الحضور والمتابعة.
قد تحمل الفقرة أعلاه جزءا من إجابة الشق الثاني من السؤال، ولكني أجزم أن انصراف الناس عن المسرح سببه بشكل أو بآخر توفر البدائل من وسائط بصرية وفرت على الناس ارتباطهم بزمان ومكان محددين لمتابعة العرض المسرحي. قد يبدو هذا سببا منطقيا، ولكن الواقع كذّبه بشكل قاطع: كان ذلك عندما عُرضت مسرحية "حارة البخت" في المسرح المفتوح بجامعة السلطان قابوس على مدى يومين في نهايات عام 2016م. امتلأت مدرجات المسرح التي تتسع لخمسة آلاف متفرج عن بكرة أبيها، وبقيت أعداد كبيرة من الجمهور تتابع العرض وقوفا، وأعداد أخرى تتابع العرض عبر الشاشات خارج المسرح، وهو الحدث الذي يشكل سابقة في المسرح العماني يعكس شغفا وتعطشا للمسرح أعوزه الدليل الذي مَثُل يومها شاخصا بلا جدال.
أتصور دائما أن ما ينقص المسرح هو الإيمان به: إيمان المؤسسة، وإيمان داعميه، وإيمان المسرحيين أنفسهم، قبل أن ينصهر إيمان هؤلاء مكونا شغف المتلقي. الإيمان الذي يرى في المسرح فكرا وموقفا ورسالة، ويجعل منه طريقا لمن أراد اكتشاف الفنون الأخرى الدرامية منها والسينمائية. الإيمان الذي يزيحه ويزيحها معه من خانة الترف التي حكمت نظرتنا للفنون عامة في عالمنا العربي؛ فليس انحسار دور المسرح معزولا عن انحسار الفنون الأخرى، فهذه كلها معلقة على الحبل نفسه، وما نراه ليس سوى قفز على المراحل التي يشكل المسرح أولى عتباتها.
استطلاع لمجلة أقلام عربية - عدد فبراير 2018
منى بنت حبراس السليمية
سلطنة عمان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق