بياضُ عَرَفة
منى بنت حبراس السليمية
تعلمتُ من أمي أسما العالي (لم تكن أمي حقيقة ولكن تعودنا أن نسبق أسماء النساء الكبيرات في الحارة بكلمة "أمي") تعلمتُ منها أن ليوم عرفة لونا أبيض. لم تقل لنا ذلك ولكنها كانت تفعله. تخطر في الحارة بثوبها الأبيض الناصع الذي تخيطه خاصا ليوم عرفة، وينسدل من قمة رأسها على بقية جسدها النحيل .
تدخل أمي أسما بيوت الحارة وتسأل عن الجميع، ولم يحدث أن سمعها أحد تعاتب هذه الجارة أو تلك على تقصيرها في رد الزيارة.
كنا نميز أمي أسما الجارة الشمالية عن أمي أسما الجارة الجنوبية بلقب العالي! فقد كان بيتها أول بيت في الحارة يبنى من طابقين في نهاية الثمانينيات، فيما بقية البيوت حوله من طابق واحد. وحتى بعدما أصبحت البيوت ترتفع طابقين، بقيت أمي أسما محتفظة بلقبها، ففي مرحلة لاحقة أصبح بيتها من ثلاثة طوابق كإصرار على الارتفاع الاستثنائي.
يروقني بيت أمي أسما بسجاده الأحمر الذي يغطي الدرجات الصاعدة بفضول من قلب الصالة إلى الأعلى. في الطابق العلوي من بيتها اكتشفتُ غرفة تحتشد بآلات رياضية متنوعة لم أفقه استخداماتها أو من الذي كان يستخدمها. كانت تلك الغرفة شفرة السر التي قادتني إليها خطوات الطفولة المتجرئة على الأبواب بعذر الشيطنة المغفورة سلفا، ثم ما نلبث أن نفقد امتيازاتها عندما نكبر بداعي الذوق والأدب. بقيت تلك الغرفة تشدني كفكرة لا تشبه أبدا ما يمكن أن تستوعبه بيوت سمائل في طفولتنا تلك.
في كل جيئة وذهاب تحمل أمي أسما غرضا تطويه في "ليسوها" على طريق عودتها من دكان "موهن"، الذي يتوسط بيوتنا جميعا ويلاصق بيتها، وتقول بحب دون أن نسألها: "اشتريت هذا لمعاذ من دكان موهن". "عليا طلبت هذا فخرجت لأشتريه لها". "أسيل اشتهت هذا وما هانت علي". "حازم يصيح باغي هذا". معاذ وعليا وأسيل وحازم هم أحفادها الذين تعشقهم، فوزّعت عشقهم علينا نحن بقية أطفال الحارة.
ظلت أمي أسما العالي شخصية غير مكتفى منها، فهي لا تطيل البقاء في مكان تحل فيه. خفيفة كالهواء يمرق في المكان ويمضي سريعا. ذكرياتي عنها في بيتنا لا تسجل هيئة جلوسها متناولة القهوة، أو مكوثها الطويل في حلقات الجارات عصرا في حوش هذا البيت أو ذاك. كانت امرأة تقيس جرعات الوقت التي توزعها، مهما تعددت لا تطول.
لم يصدّق أحد موتها قبل ما يزيد عن عشر سنوات؛ فقبل يومين فقط من ذلك الصباح رأيتها في بيت خالتي. ماتت سريعا ودون مقدمات. لم تكن حيويتها تشي بنيّة غياب مفاجئ حيث لا تعود. وارتبط عزاؤها في ذاكرتي بمدته القصيرة، على عكس ما دأبت عليه العادة بأن تستمر مجالس النساء حتى سبعة أيام. رُفع العزاء بعد ثلاثة أيام فقط، وعادت النسوة إلى شؤونهن.
موت أمي أسما العالي المباغت أفقدنا جدة لم تكن لنا. كانت لمعاذ وعليا وأسيل وحازم، ولكنها تركت فراغا يلوّنه بياض بقي رغم كل هذه السنوات يسطع في كل يوم عرفة كمساحة نادرة تدل عليها ظاهرا وباطنا.
عَرَفة 2018
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق