الأربعاء، 23 أكتوبر 2019

يوم حضر أبي ليسمع خاطرتي

يوم حضر أبي ليسمع خاطرتي

منى بنت حبراس السليمية

لا أعرف كيف نسيتُ هذا الحدث تماما، ولكنه فجر اليوم ومض فجأة في ذاكرتي وكأن مصباحا أضاء غرفتي في الرباط معلنا يوما جديدا:

كنت قد انضممتُ إلى جماعة الخليل للأدب في ربيع ٢٠٠٣ بتشجيع من الدكتور إحسان صادق. أتذكر كيف أربكتني الاستمارة التي كان عليّ أن أختار منها أي جنس أدبي أكتب. قال لي الدكتور إحسان: "أنت تكتبين خواطر جميلة". مدفوعة بإجابته وضعت علامة ✔ أمام (خواطر).

انتظمتُ في جلسات الخليل وأمسياتها، حتى جاء اليوم الذي قررتْ فيه لجنة النثر التي كان يرأسها في ذلك الوقت عبدالله الصبحي - الذي أصبح بعد سنوات الدكتور عبدالله الصبحي - أن تقيم أمسية للخواطر كانت الأولى لهذا الجنس الكتابي، الذي بدأتُه بفرح وأنهيتُه بخيبة، عندما قال لي الصبحي: "ماذا تريدين أن تكوني بعد كتابة الخواطر؟ قاصة أم شاعرة؟ لا يمكن أن تبقي كاتبة خواطر!" صدمني كلامه، واحتجت سنوات حتى أقتنع بأن الأمر ليس صحيحا بالضرورة ولكنه صحيح بشكل ما.

حضّرتُ خاطرتين لقراءتهما في الأمسية، ولم أنتبه لحماسي الذي زاد عن حده عندما رحت أخبر عائلتي بمشاركتي الأولى في أمسيات الجامعة. في الليلة الموعودة امتلأت قاعة المحاضرات (١) بالحضور، على الرغم من أن جماعة الثقافة الإسلامية تقيم أمسية أخرى في قاعة المؤتمرات غير البعيدة عن المكان، وقد امتلأت هي الأخرى بالحضور، كما عرفتُ لاحقا، وكما نعرف عادة.

رسالة نصية تصلني عبر الهاتف من أخي عامر، يخبرني فيها أنه في الطريق من سمائل لحضور الأمسية برفقة أبي. سقط قلبي في معدتي. لم أرد على رسالته. يومض الهاتف بعد مدة برسالة أخرى من عامر يقول: "نحن دخلنا القاعة وأجلسونا في الصف الأمامي، هل تريننا؟" ولكن أحدا لم يدخل ممن أعرف أنه أبي أو أخي.

حان دوري وصعدتُ المنصة وقرأت خاطرتيّ وعدت مكاني. رسالة أخرى من عامر: "متى دورك؟" استحوذتني الدهشة وأيضا لم أردّ. بعد نصف ساعة أخرى يبعث برسالة جديدة: "لم نرك وانتهت الأمسية ولكنها كانت جميلة وضحكنا كثيرا خلال المسرحية". لم يكن الأمر بحاجة لتأكيد بأنهم أخطأوا القاعة ودخلوا أمسية الثقافة الإسلامية وليس أمسية الخليل للأدب.

كنت مرعوبة من فكرة أن يستمع أبي لخواطري، أبي الذي جاء معتمرا عمامته ومتمنطقا خنجره وبيده عصاه ليحضر حفلا تشارك فيه ابنته ببعض كتابتها. سأعترف الآن فقط أني حمدتُ القدر أنه أخطأ القاعة وحضر أمسية أخرجتْه مبتهجا وإن لم ير ابنته التي حضر من أجلها في المنصة.

اكتفيتُ بالركض بعد الأمسية إلى مواقف سيارات كلية التربية لأسلم عليه، وأشرح أنهم لابد أخطأوا القاعة، وأنه لا بأس "خيرها في غيرها"، وأن أمسيتنا لم تكن أجمل من الأمسية التي حضرها.

الرباط - أكتوبر 2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق