جريدةالرؤية: الثلاثاء 22 من أبريل 2014م
إلى "سيناريو تاء التأنيث" من جديد
لـ منى بنت حبراس السليمية
لم أكن أتوقع أنني سأعود للكتابة في هذا الموضوع مجددا بعدما اعتقدت أنه كان فكرة واستُنفدت على الورق وانتهى أمرها معي وانتهى دوري فيها، وأتركها من بعد للمتلقي من قارئ أو صانع قرار، ولكني وجدتها البداية التي لا يجب أن تكون النهاية، فثمة ما لم أقله كاملا في تلك العجالة التي احتشدت بالأرقام والإحصائيات، إذ إن أبعادا عدة كانت تستحق وقفة أخرى متأنية تبسط ما أجملتْه تلك السطور، فضلا عن أن قضية كهذه حقها أن يُفرد لها أكثر من وقفة؛ حتى لا نجد أنفسنا أمام واقع لا نريده.
وأحسب أننا –حتى نعالج القضية بموضوعية ينشدها الجميع –نحتاج أن ننسى "الجنسوية": أن أنسى أنني امرأة وتنسى أنك – أيها الآخر –رجل، وما لم نُسقط هذا الفيصل بيننا فلن نصل إلى حل تستحقه عمان، التي يجب أن نفكر فيها هي، وهي فقط.
إن الإشكالية الواقعة تمثلت في أن متطلبات العصر اختلفت، ولكن الوعي بها لم يتحقق بعد؛ إذ إن الزمن يتجه أكثر نحو تسليع الحياة، وأصبح سوق العمل لاعبا رئيسا في هذا التعقيد، وحتى يكون المرء منا (ذكرا أو أنثى) أحد اللاعبين فيه، فإن عليه أن يلبي متطلباته: الشهادة الجامعية والوظيفة وتوابعهما.
وفي الواقع، خطت المرأة خطواتها في هذا الدرب (وإن كان طويلا)، وأهمله الرجل (غالبا بلا تعميم) بغية السير في أقصر الطرق إيصالا إلى الهدف المتمثل في الاستقرار (اجتماعيا ووظيفيا)، إذ مازالت تحكم الرجال عندنا ثقافة السرعة والاكتفاء بتحقيق السقف الأدنى من العيش، وكلما كانت الوظيفة أسرع تنازل عن إكمال الطريق؛ فأن يكون عسكريا مثلا تزيد نجماته مع السنوات أفضل له من دراسة تكلفه خمسة أعوام إضافية، وهو الذي بالكاد أتم 12 عاما سبقتها في المدرسة، فبالنسبة إليه ليس أمامه وقت طويل لهذه الزيادات التي لا يراها ضرورية، فهو يريد سيارة، ويريد بيتا، ويريد زوجة، ويريد أطفالا، ويشيخ!!
ولكن المرأة ربتها ثقافة انتظار زوج المستقبل (هدف حياتها كما تقول الثقافة الاجتماعية قديما وحتى وقت قريب) ربتها على استغلال المتاح كاملا حتى تُعلن نهاية الانتظار بزوج قد يأتي وقد لا يأتي. وخلال ذلك الانتظار لا بأس من الدراسة، ثم مزيد منها، ثم الحصول على وظيفة، فإذا بها تدهشها اللعبة لتجد نفسها ندا لمن كان قدرها أن تنتطره فقط لتربي أولاده! بل وذهبت إلى آخر الشوط حتى وجدت نفسها قادرة على تجاوزه وتخطيه.
لقد تطورت المرأة كثيرا، فكما تربت على حقيقة أنها خلقت لتكون زوجة، تربت أيضا على أن في الانتظار ممكنات لا حدود لها، حتى اكتشفت السر الذي يجعلها في المقدمة ويقلب قواعد اللعبة، لاسيما أنها في دولة وفرت لها كل ما يخطر على البال من ممكنات الصعود وتحقيق الطموح؛ فهنا فقط نجد الوزيرة والعسكرية والمظلية وكل شيء.
ولا يظنن أحد بأن الوضع القائم وتفاقمه سببه ما أتيح للمرأة - بصفتها (إنسانا) قبل أن تكون أنثى محددة الغايات محصورة الأهداف – بل بسبب أنها الطرف الذي استغل المعطيات كاملة - ومازالت – في حين لم يولِها الطرف الآخر أهمية كبيرة ولم يدرك أبعادها.
وقد يكون من الصادم القول إن الرجل نفسه من كرّس هذا الواقع من خلال التوجه الذي شاع في فترة من الزمن – ومازال – نحو الزواج من المرأة العاملة، فاتخذ على سبيل الفكاهة والتندر والتسليع مشاريع من قبيل (سكني تجاري)، دون أن يدري أنه يرسم تحولات مجتمع بأكمله ستنعكس تأثيراتها على كل المستويات والأصعدة بما لا قبل له هو نفسه بتحملها؛ فرغبته في زوجة تحمل عنه شطرا من مسؤوليات الحياة الزوجية ماديا، جعل الفتيات يأخذن نصيبا من الشرط الذي يخولهن دخول (جنة الزوجية)! فلم يكن لدى الرجل بأس ألا يتم تعليمه، ولكن كان أحد أهم شروطه –في وقت ما –أن تكون زوجته عاملة.
ولأن المرأة العاملة عندنا بدأت من وظيفة "معلمة" أو "ممرضة" – حسبما أتاحته ثقافتنا الاجتماعية في ذلك الوقت – فقد كان عليها لتحقيق هذين المسميين أن تَجِدّ لتكمل دراستها الجامعية، إلى أن تفتحت أمامها الخيارات، ولم تجد نفسها ملزمة بإملاءات الرجل وشروطه، وما أحسبه سيحدث أنها هي من سيملي الشروط حسبما توحي به تلك الإشارات، وليس بعيدا أن تتبدل الأدوار بينهما بما يحفظ اقتصاد الأسرة التي جعلت الجامعية تشغل الدرجة العاشرة التي يقترب راتبها من الـ (1000) ريال عماني ،في حين أن ما يجنيه خريج الثانوية لا يعادل نصف ذلك!
وكما كان السؤال في مقال "سيناريو تاء التأنيث"، الذي أحسبه استفز الكثيرين ممن قرأوه وتداولوه: ما هي الخطوات التصحيحية التي على الرجل أن يتبعها الآن قبل أن نصبح على شفا مجتمع ليّن؟ففي اعتقادي أن الكرة في مضربه الآن، وعلى الوعي بمآلات الحال أن يتشكل سريعا، وعلى الرجل أن يعيد نفسه إلى ميدان التنافس، إذ لن تقبل المرأة بعد أن وصلت إلى ما وصلت إليه أن تعود إلى تلك المرأة التي كانتها؛ فالزمن لن يعود إلى الخلف مطلقا.
وإن كان لابد من مصارحة، فأقول إننا لا نجيد (غالبا) قراءة الزمن وتحولاته، فقد دأبنا على أن نعيش على حدث اليوم فقط، أو نتغنى بحدث الأمس، وتغيب عنا تماما تلك القراءات الاستشرافية التي تنطلق من الحقيقة التي قلما نلتفت إليه، بل إننا في - وضع آخر - تعودنا على ستر الجرح كي لا يزيده الهواء التهابا، إلى أن نصل في الختام إلى مرحلة لا يجدي معها إلا البتر.
فماذا سيفعل الرجل ليصحح المسار؟ وماذا سيفعل صنّاع القرار –في المقابل –إزاء هذه الأزمة التي أحسب أن قلة فقط من كانوا يدركون أبعادها، فمعالجتها لن تكون حتما بالحد من تعليم المرأة أو تأطير عملها، فهذه فكرة حجرية تماما، ولكن على المجتمع برمته أن ينظر لواقعه الراهن، ولينظر الرجل إلى حاله ككائن تنازل كثيرا عن المبادرة، مكتفيا بمكانته الرجولية التي يوفرها له الغطاء الاجتماعي دون عناء؛ فالرجل في مجتمعنا تعلم أنه السيد وأنه القائم وأنه الأول وأنه المقدّم، ولكنه لم يتوقع أن متطلبات بقاء كل ذلك مرهون بالزمن الذي تغير فغيرها معه، إلى أن شاعت الشكوى من مزاحمة المرأة لأخيها الرجل في جميع القطاعات حتى تلك التي بقي الذهن طويلا لا يستوعب مجرد فكرة اقتحام المرأة لميادينها، متغافلا عن أنها مزاحمة طبيعية، وندية ضرورية احتكمت إلى منطق اغتنام الفرص والتسابق العلمي الذي لو لم يتحقق لكان وجها من وجوه الظلم للمرأة التي بذلت وتعلمت وسعت فنجحت ووصلت.
وعلى صعيد آخر فإن الفجوة العلمية الحاصلة ستكرس من ظاهرة تأخر الزواج لدى المرأة، التي أثبتت الإحصاءات الأخيرة أنها تتجه إلى إعطاء الأولوية لمواصلة دراستها وحصولها على وظيفة من أجل تحقيق استقرار أفضل بشهادة علمية وراتب يقيها صدمات الدهر، غير أن الزواج في حال حصوله سيصطدم هو الآخر بمستوى من التفكير غير المتكافئ بين الطرفين، مما يعني أن استمراره سيكون على شفا الانهيار، وهو ما سيعني بالضرورة ازدياد معدلات الطلاق بين الشباب.
ولنطرح السؤال مجددا: ما الحل؟ فالقضية لم تعد محصورة في إطارها الضيق المتمثل في التراجع العلمي والتحصيلي للذكور وحسب، ليقابلها وفرة نسوية في مختلف المواقع والقطاعات الوظيفية، ولكنها أيضا فيما ستواجهه الأجيال القادمة بسبب أمهات يقضين سحابة النهار في الوظيفة، وحتمية وجود مربيات وافدات يملأن فراغ غياب الأمهات العاملات عن أطفالهن، مما سيعني تربية هجينة تُنبت زروعا بغير عواملها المحلية، وعلى يد أمهات بديلات لا صلة تربطهن بالبلد وثقافته ولغته، لتقتصر مهام الوالدين في المقابل على توفير المستلزمات المادية وحسب، وشيئا فشيئا سيصبح لدينا عاملة منزل أو أكثر في مقابل كل أسرة عمانية، ومن ثم مزيدا من التحول الديموغرافي الذي سيخل بالتركيبة السكانية التي صدمتنا إحصائياتها الأخيرة بارتفاع أعداد العمالة الوافدة في البلاد إلى نحو 44% من إجمالي عدد السكان!!
وسأسأل أخيرا: أعلى هذا المقال (أو سابقه) أن يوجد حلولا لمشكلات قادمة، أم حسبه أن يفتش عن القضية ويعرضها ليفسح المجال لأهل الحل والعقد أن يبحثوا الموضوع بحذافيره ويوجدوا الحلول لما بدا أنه مشكلة وطنية متعددة الأصعدة؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق