كوستا،، وأخواتها
لـ منى بنت حبراس السليمية
قبل وقت قريب كنت أتساءل عما يجعل المقاهي ذات الأسماء الشهيرة تنتشر في مسقط ويتكاثر روّادها، في حين نجدها تفشل في غيرها من المحافظات والولايات، إذ ليس بعيدا عنا إغلاق أحد المقاهي الراقية في ولاية سمائل بسبب الخسارة التي تكبدها نتيجة قلة مرتاديه، وعبثا حاول صالون القراءة بسمائل تأجيل موعد إغلاقه بإقامة فعالياته فيه!
فشلُ مثل هذه المشاريع التي كانت ستخلق مناخات ثقافية واجتماعية واقتصادية في الولايات يعود لأسباب قد تبدو الثقافة المحافظة في ولاياتنا سببا وحيدا فيها، وهي ثقافة تتحرر منها مسقط المدينة المفتوحة لكل شيء. ثقافة مكانية صرفة تجعل ابن الولاية نفسه محجما عن ارتياد مثل هذه المقاهي في ولايته ومقبلا عليها عندما يكون في مسقط..
ولكن السبب ليس بهذه النمطية – كما بدا لي في لحظة تفكر – بل أعمق نسبيا بالنظر إلى الصفة التي تتسم بها مسقط، فابن الولاية يعوّض غياب الأسرة والعائلة والطقوس الاجتماعية – بانقطاعه على مدار الأسبوع لتحصيل لقمة عيشه في مسقط – بارتياد تلك المقاهي وحيدا أو بصحبة رفاق لقمة العيش، ولا بأس حينها من إنفاق مزيد من الريالات التي لا يستهلكها عادة تحضير قهوة بيتية تعدها ربة البيت أمًا أو زوجة! ولكنها ريالات تهون في مقابل استحضار مفقود بعيد.
ولكنه عندما يكون في أحضان ولايته الوادعة وبين أهله وأصحابه فإنه لا يجد الحاجة إلى مثل هذا البذخ الذي كان قبل قليل ضرورة لتعويض نقص نفسي واجتماعي، ففي بيته غُنية عن المقاهي وغيرها (ما لم تكن ثمة مباراة تنقل على قناة مشفرة تدبّرَها المقهى لاستقطاب زبائن يعرف نوعياتهم)، وحتى لقاءات الأصحاب فغالبا ما يفضل أن تتم في ضيافة منزله ما لم تكن رحلةً برية يضمنها له فراغ الإجازات.
إن الثقافة العمانية في محافظاتنا وولاياتنا الجميلة ستبقى تنتظر مدة من الزمن لتستوعب ثقافة المقاهي التي تقف في بلدان كثيرة حاضنات ثقافية وأدبية واجتماعية، تجمع على طاولاتها نخبا من مختلف المشارب، في مشهد يذكرني قبل أشهر قلائل بمقهى (لاتاسا) بزنقة تانسيفت على شارع عقبة بن نافع بالرباط - وغيره من المقاهي والشوارع - الذي يجمع كل مساء أساتذة الجامعات ومريديهم من الطلبة والمثقفين ليتجاذبوا معهم الحديث في كل شيء خارج الحدود الضيقة للزمان والمكان للقاعات الدراسية.
فكلمة مقهى في البلدان التي سبقتنا إليها تثير في النفس رائحة فكرية ساحرة، ليست الأطباق والأكواب على طاولاتها إلا مكملات لأحاديث تبدأ ولا تنتهي، ويخرج مرتادها منها غير ما دخل به. ولكنها عندنا (في الولايات تحديدا) لا تعني سوى (طلبية) تؤخذ (بارسل) إلى حيث لا يبقى للمقهى ضرورة لمقاعده وطاولاته، ولا يشجع المستثمرين على خوض تجربة من هذا النوع.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق