السبت، 7 فبراير 2015

قداسة الشعر

قداسة الشعر  
منى بنت حبراس السليمية

القدس العربي
9 من فبراير 2015م

"أكتب الشعر، ونشرت وأنا في سن صغيرة - في السادسة عشرة - في مجلات وطنية وعربية، ولدي ركام هائل، ولدي عقدة تجاه الديوان الشعري. أريد حين أشعر أن النهاية قد اقتربت أن أختار منتخبات وأنشر ديوانا واحدا فحسب؛ لأنني أقدّس القصيدة أكثر من أي شيء آخر."

هكذا افتتح الناقد المغربي "عبد الرحيم جيران" جلسته في مختبر السرديات العماني مساء يوم الأربعاء 28 من يناير 2015م في النادي الثقافي، بعدما قدمته الصديقة "بشرى خلفان"، ساردة سيرته العلمية والبحثية والثقافية، ومعددة قائمة كتبه السردية إبداعا ونقدا، ليضيف إلى تقديمها تلك العبارة التي لا لتشير إلى سهو طال ما أدلت به، بل لكي يقدم – في لطف- درسا في التواضع في حضرة الشعر المقدّس، وليوجّه رسالة إلى الشعراء.

الأكاديمي المغربي الذي استضافه النادي الثقافي ليقدم ورقة رئيسة في ندوة "الفرجة والمجتمع العماني" - والتي امتدت طيلة يومي 27 و28 من يناير 2015م - يكمل في منتصف العام الجاري عقده السادس، ولكنه يبدو شابا يختبر المعرفة، ويتهيبها من غير وثوقية، ونجده في أوج عطائه محاورا نظريات السرد في مختلف توجهاتها؛ يهدم ما استقر منها وصار في عداد القديم، ويؤسس للجديد بأناة، وترو، وفق رؤية معرفية تأسست تفاصيلها وفق خبرة طويلة، ومصاحبة رصينة  للنظريات السردية الغربية وأُسسِها المعرفية التي شكلت أنساقها.

يظهر هذا المسار المعرفي للأكاديمي عبد الرحيم جيران من خلال التراكم الرصين المتأني الذي تؤشر عليه إصداراته الآتية: كتاب "في النظرية السردية" - دار إفريقيا الشرق (2006)، الذي يعيد فيه النظر في مفهوم السيرة، والقراءات التي طالت رواية الحي اللاتيني للروائي سهيل إدريس، وكتاب "إدانة الأدب" ـ مطبعة النجاح (2008) الذي يحاور فيه الناقد الفرنسي الشهير تودوروف، وكتاب"علبة السرد: النظرية السردية من التقليد إلى التأسيس" – دار الكتاب الجديدة المتحدة (2013)، الذي يعلن فيه عن ميلاد منهج سردي عربي متكامل، وكتاب "سراب النظرية" ـ دار الكتاب الجديدة المتحدة (2013) الذي يقدم فيه النظريات النصية ويعيد النظر في أسسها. كما للناقد عبد الرحيم وجه آخر يتمثل في ممارسته الإبداع؛ فله في مجال الرواية: رواية "عصا البلياردو" الصادرة عن دار إفريقيا الشرق (2011)، ورواية "كرة الثلج" الصادرة عن دار الآداب (2013)، وفي مجال القصة القصيرة مجموعة قصصية موسومة بعنوان "ليل غرناطة"، صادرة عن  دار الأمان (2013). هذا إلى جانب الإبداع في مجال الشعر بصنفيه العمودي والحديث.     

وإذا كان الناقد عبد الرحيم جيران قد تجرأ على النشر في مجال السرد بنوعيه الرواية والقصة القصيرة، فإنه لم يستطع أن يصدر حتى اللحظة ديوانا واحدا، على الرغم من الركام الهائل من القصائد التي كتبها ونشرها في منابر عدة. يبرر الناقد موقفه هذا أنه ناجم عن كونه يعد القصيدة مقدسة لا يجوز العبث بقدسيتها. فعلى الرغم من سنواته الستين، وخبرته في الكتابة الشعرية ممارسة ونظرًا ما تزال القصيدةُ الإبداعَ الأجمل الذي يسكن المستقبل، والمستحق للانتظار مادام سيقنعه قبل النهاية باختيار منتخبات من قصائده تليق بديوان شعر وحيد.     

ما أجمل الرسالة يا سي عبدالرحيم! وما أصعب أن يتحملها قلب الشاعر وأنانيته الجميلة، التي ترقى دوما إلى أن تصير دربا يفضي إلى ذاته في تميزها واختلافها الجذري. وعلى الرغم من توقنا لظهور ديوانك الوحيد الذي تحلم به تتويجا للحياة، فإننا حتما لا نتمنى النهاية، التي لا يملك أحد موعدا محددا ودقيقا معها. ربما كنت تفكر في اكتمال التجربة، والإحساس ببلوغ الذروة التي تجعل منها قابلة لأن تحوز الرضا عندك، ولكن لا شيء مكتمل في العالم، ولن يكون مكتملا؛ فقل الشعر، واترك له فرصة أن يكون مزهرا في الآذان، وليذهب الديوان إلى الجحيم، ومعه الرهبة من الشعر، فرسالتك قد وصلت، كما أردت لها أن تصل. وصلت لتؤكد على الأهم وهو احترام الكتابة، وأن الشعر تركة ينبغي أن تورث على نحو أجمل، وأن العبرة ليست بالإصرار على الحضور في المشهد، وإنما بالإخلاص للشعر أولا وأخيرا.

ليس عليك- إذن- بعد الآن أكثر من تحرير الشعر من ديوانه، ومن ارتهانه بنهاية الحياة واكتمال دورة العمر، فالشعر ليس ما ضمّه ديوان، وسورته حدوده، بل ما ارتقى لمرتبة القداسة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق