الاثنين، 9 فبراير 2015

"حديث الفجر" الذي كان!

"حديث الفجر" الذي كان!

منى بنت حبراس السليمية

     لا أعرف متى رأيت الفجر لأول مرة، بزرقته الداكنة التي تفضح نورا غير بعيد. كنت طفلة ما أزال، وأعوامي لم تتجاوز أصابع الكف الواحدة بعد، عندما وجدتني مأخوذة بالزرقة الداكنة أمامي وهي تخرج من عباءة ليل أسود. بقيت ملتصقة بالنافذة، أرقب تدرجات الأزرق من دكنته إلى إشراقته حتى بزغت تلك الصفراء كاملة، والدهشة تضج بها روحي.

      فكرت لوهلة ما إذا كان أهلي يعرفون عن هذا! وما إذا رأى أحد منهم هذا المشهد قبلي؟ أسئلة ساذجة معجونة بالدهشة، رحت معها أنتظر استيقاظ شقيقتي لأخبرها بالسر، ولكن عدم اكتراثها جعلني أستيقظ في الفجر التالي؛ لأتأكد ما إذا كان ما رأيته في سابقه حقيقة أم بقايا نوم تعلق بأجفاني.

      تأكدت. فغدت مراقبة الفجر متعتي الخاصة التي لا يزاحمني عليها أحد. أصحو بإرادة كاملة، وشوق طفولي يكتشف العالم لتوه. طلبت – تاليا – من أمي أن تضع لي منبها على ساعة لا أعرفها متى بالضبط، قبل أن أكتشف أن الفجر يراوغ ساعته؛ يسبقها صيفا، وتسبقه شتاء.

      كبرتُ، وبقي الفجر دهشتي التي لا تزول. أرسم فيه أحلاما ناعمة كانقلابات الفجر الزرقاء من العتمة إلى النور، بلا صخب ولا ضجيج. ببطء ينقلب العالم من حال إلى حال أمام الناظرين. يعدهم بابتسامة كالشمس تدق جرس البداية الأزلية بيدها الحانية في ذلك الوقت من كل صباح.

     وعندما أصبح عليّ أن ألتحق بالمدرسة، تقلصت ساعات التأمل الفجري لصالح الاستعداد لمدرستي. قلّصها ترقب جديد، وقلق يأخذ القلب نحو فروض لم أخبرها من قبل، وانتظار لصباحات يشاركني فيها عالم المدرسة الجديد.

      ثم عندما كبرت أكثر، أخذته مني المذاكرة التي تمتد حتى قبيل دخولي لجنة الاختبارات، وشيئا فشيئا غدا الفجر من المؤجلات التي أتحين لها فرصة إجازة لا تلاحقني فيها التزامات تُقصيه إلى خانة المؤجل.

      وعندما كبرت كثيرا تلاشى الفجر تماما لصالح المشوار الطويل من البيت إلى العمل. كبرت وكبرت .. حتى وجدتُ فجري لاهثا يركض تحضيرا لعمل أو غرقا في زحام طريق يستحثه حرص الوصول على الموعد، أمام جهاز بصمة يحصي أنفاس فجر خلّفته ورائي.

     سُرق الفجر .. ولكني عندما تمكنت من استرجاعه أثناء تفرغي للدراسة، وجدته غافرا لزلة الحياة التي اقترفتها بدافع العيش، وجلس معي مقرفصا يستمع لحكاياتي وثرثرتي على لوحة المفاتيح، نشرب على شرفته شايا بالحليب نمزجه بالزنجبيل تارة وبالزعفران تارات. أكتب وأكتب، ووحده يسمع طقطقتي على اللوح في ذلك الوقت البرزخي من إفاقة النهار. يمد لي من هدوئه طاقة للكتابة، ويمنحني من صمته فرصة لأستمع لذاتي، حتى غدا الفجر عندي ميلادا لكتابة جديدة، ومشروعا لعمر قادم.

    وعندما رحت أتأمل ما كتبته في كل فجر مذ أصبحت لوحة المفاتيح ثالثتنا، وجدت الشمس تشاغبه لتكون شاهدة على أحاديث الفجر التي كانت، تزرع فكرة نشر النحت اليومي الممتد من صلاة الفجر وحتى تعامد الشمس في كبد السماء؛ الوقت الذي عجزتْ شهية الكتابة عن التمدد خارجه. رحت أجمع أشتاته، وأضمه بين جنبات مشروع حمل اسمه بنفسه – ولم أسمه – "حيث الفجر"؛ الحديث الذي لم يتيسر في غيره من أوقات يومي الطويل المشحون باللهاث خلف كل شيء إلا حديث داخلي.

أخيرا...

    كنت سأدفع بـ "حديث الفجر" إلى دار النشر، رغم ضيق الوقت الذي يحول دون أن يدرك معرض الكتاب بنهاية فبراير 2015م، لأعود أدراجي بعدها إلى معترك الحياة التي سرقت الفجر مني من قبل، وستظل تسرقه إلى أبد الدهر ... أسلّمه لها راضية أو مرغمة، والحنين يشدني لأحاديث أخرى ستبقى حبيسة حتى أسترد فجري من جديد.

      ولكن بدا أن العنوان "الكلاسيكي جدا" اصطدم مؤخرا برأي من عرفوا به، وعرفوني قبله، ولأنني أثق بهم قررت أن أغير وجهته، وأختار له عنوانا آخر، قد لا يكون الفجر إحدى مفرداته، ولكني وددت أن أخبرهم عن الفجر وحديثه، قبل أن يتربع العنوان البديل في غلاف كتاب ما كان ليرى النور لولا "حديث الفجر".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق