الجمعة، 4 سبتمبر 2015

ما تبقى من اللون

ما تبقّى من اللون

منى بنت حبراس السليمية

شرفات - 8 من سبتمبر 2015

     أعتذر سلفا من الشاعرة شميسة النعمانية لاضطراري استعارة عنوان مجموعتها الشعرية ليكون عنوانا لمقالي هذا، فلبقية اللون أسئلة حائرة تفرض نفسها كقصيدة لا تكتمل بغير ألوانها الخاصة، ولكن الحياة قصيدة أخرى تسائلنا عن ألوانها المستلبة، فهل سأل أحدنا نفسه مرة عن عدد الألوان التي يشاهدها في اليوم والليلة؟ وهل حاول على سبيل التأمل - أو الرياضة إن شئتم - عدّ الألوان التي تمر عليه في يومه منذ استيقاظه وحتى أوبته إلى فراشه ليلا؟ كم لونا يا ترى يلوّن أبصارنا خلال أربع وعشرين ساعة؟ أو فلأحاول إعادة السؤال بصيغة أخرى: ما أكثر الألوان تكرارا في يومياتنا؟

   أأصفر شمس الصيف المهيمن على كل شيء حولنا في وقت ينحسر فيه اللون الأخضر عن شوارعنا ومدننا، أم أبيض وأسود الرجال والنساء كعالمين متناقضين نادرا ما يشذان عن قانون اللون وإن فعلا فعلى استحياء، أم تُرابي الجبال ورملي الأراضي الفضاء المترامية، أم ألوان المباني التي تحرص ألا ترتكب حماقة لون شاذ عن قاعدة المساواة اللونية خارجيا، وتتفق كقدر في بياضها داخليا؟

     فلنحاول أن نتذكر: أين رأينا الأحمر في محيطنا آخر مرة؟ سنقول في دماء الأبرياء في هذا العالم! هل علينا أن نستحضر أحمر الدم كلما تاقت النفس لأحمر الورد الذي بات شحيحا في حدائقنا (النادرة) وعلى أرصفة شوارعنا؟ ترى أين يمكن أن نرى البنفسجي والأخضر والزهري في بيئتنا؟

      لا أظننا أمام خيارات لونية متنوعة، بل إننا أمام ألوان تعد بالأصابع تتكرر يوميا، لا يكسرها إلا ألوان السيارات في الشوارع، التي سرعان ما تتلاشى هي الأخرى في ضيق زحمة المرور وضجر المسافات الطويلة التي يقطعها بعضنا أوبة وذهابا بين عمله وسكنه، مسافات قلما تحتفل بلون غير لون التراب. فما معنى أن نعيش حياة بلا ألوان كافية للتجدد؟

    ثمة ما يجعلنا حذرين مع الألوان، نتعامل معها وفق قوانين ضمنية لا علاقة لها بنواميس الحياة، ولأسباب غير واضحة تفرض السواد كتقليد أو عرف، وتربطه أحيانا بالدين، أو تفرض نقيضه لأسباب مماثلة، ونحرص في مبانينا على ألوان تخشى مفارقة لون الأرض؛ خشية أن تشذ عن قانون يمنع ألوانا تفسد الذوق العام وإن كانت أكثر بهجة، فهل كانت البهجة يوما مفهوما مناقضا للذوق؟ وإلى متى سيبقى شارع حيوي ومهم
كشارع مسقط السريع - مثلا - خاليا من اللون الأخضر يكسر شيئا من حدة لون الصحراء الصخرية المتشكلة في جبال صارمة صرامة الدهر الذي رسمها بمزاج حاد؟

    من شأن الألوان أن تشيع راحة نفسية، وتخلق بهجة تكسر حدة الشمس وغضب الصيف اللذين يحكمان على المحيط الخارجي بالاصفرار والغبار، ولكننا لا نفعل شيئا إزاءهما غير التمترس بداخل علبة إسمنت مكيفة أو علبة صفيح سيّارة، لنصبح في صيفنا كائنات معلبة تعلن القطيعة مع بيئتها الخارجية.

     ورغم اتصالنا بالأجناس الأخرى ومعايشتهم، لم نستطع التعلم من الهنود (مثلا) قدرتهم على صناعة الفرح، فيكفي أن نطالع لقطة واحدة من أفلام بوليوود لنرى كمّ الألوان التي تحتشد في مشهد دفعة واحدة، فضلا عن أنهم يحتفلون بيوم يسمونه (عيد الألوان)، ينتصرون فيه على منغصات الحياة ومآسيها التي يكابدها الإنسان البسيط بمساحيق من كل الألوان.

      ونحن إذ ندرك تأثير تعدد الألوان عندما نحرص في أعيادنا على اقتناء الملون من الثياب، ونبتعد عن ألوان سبق أن جربناها في عيد سابق، إلا أن علاقتنا بتلك الألوان علاقة شخصية جدا، ونمارس فرحنا بها كشأن خاص لا ينبغي الإعلان عنه، لأننا متى ما خرجنا خارج أسوارنا الشخصية يفرض السواد والبياض سطوتهما كقانون اجتماعي اكتسب مع الوقت مسحة دينية!

     وأحسب أننا – في ظل شح الألوان في يومياتنا – بحاجة إلى الدفاع عما بقي لنا منها، ونستميت في التمسك بحقنا بها قبل اغتيالها بشعارات تسيء للألوان وبهجتها، وتسلب منا حقنا في الفرح بها، فلو أننا فعلنا ذلك هل كان سيأتي من يعلن ملكية ألوان قوس قزح للشواذّ من البشر؟!

     وكما استعرتُ العنوان، سأستعير لمسقط ما قالته شميسة في قصيدة ملونة من ديوانها:

ومسقطُ خارجَ تصنيف لون الرماد
فإن قيل "مسقطُ" طارت فراشات بيضاء ..
حمراء .. خضراء
حتى النجوم اقتفتها لتحطب من لونها الكبرياء
مساءٌ لمسقط يغسلني من طوابير حزني
يحرضني نحو عش السماء ..
ويصنع قهوتنا من فرح
مساءٌ لمسقط يهمز أرواحنا كجواد
لمجدٍ جمح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق