الجمعة، 4 سبتمبر 2015

كيف أعيش الآن؟

كيف أعيش الآن؟

منى بنت حبراس السليمية

جريدة الزمن - 6 من سبتمبر 2015

     كان أحمد أمين منهمكا بالقراءة - كعادته التي لا يعرف غيرها - فإذا به يرى نقطة سوداء تشوّش عليه القراءة، فخلع نظارته السميكة. نظفها وأعادها ثانية إلى عينيه، ولكن النقطة كانت ما تزال هناك، فنظف النظارة ثانية وثالثة، بعد الثالثة اكتشف أن النقطة في عينه وليست في النظارة، وإذا به قد أصيب بانفصال الشبكية!! يقول: "ندمت لأني ما عوّدت نفسي قبل العمى على شيء غير القراءة، فكيف أعيش الآن؟!"

   ومثله كان نجيب محفوظ قارئا نهما، حتى أن أكثر ما آلمه حين ضعف بصره هو عدم قدرته على القراءة، فقد كانت القراءة عنده أهم متع الدنيا. لماذا أستحضر هذا الآن؟

     منذ مدة ليست بالقصيرة ورعب فقدان القدرة على القراءة يطاردني كشبح، وكلما تقدمت السنون وتكاثرت نظاراتي واحدة بعد أخرى - بإعلان عجز نظارة سابقة وخلافة أخرى جديدة - أستحضر كل أولئك الذين وجدوا أنفسهم فجأة غير قادرين على مزاولة متعتهم الأثيرة .. القراءة.

      قد تكون هناك متع أخرى في الحياة أهم من القراءة يفقدها من يخسر نظره فجأة، ولكني لن أخسر شيئا أهم من الوقت المتاح الآن لأقرأ مئات الكتب التي لم أقرأها بعد، فما الذي سيعوضني عن كل هذا فيما لو تحقق الرعب فجأة؟

    أعرف أن فألا كهذا سيصيب القارئ بالصدمة، وربما الاستنكار، ولكني - في ظل عدم قدرتي على الاستغناء عن نظارتي التي يتزايد سمكها مرة بعد أخرى - لا أريد أن أطرح على نفسي السؤال ذاته الذي طرحه أحمد أمين على نفسه: "كيف أعيش الآن؟"

     لم أعهد أن أحدا فقد بصره واهتم بسؤال "كيف أكتب؟"، في حين أن الخسارة الكبيرة تتأتى من السؤال: كيف أقرأ؟ كما أنه قلما يسأل أولئك المهووسون بالقراءة أنفسهم: كيف سأستمتع بمباهج الحياة وألوانها؟ لأن القراءة عندهم عالم من الألوان وتركيبةٌ من كل شيء، ومن عرف العيش فيها، سيفقد الحياة برمتها لو حُرِم من متعتها.

     ترى لو أنه أتيح لأحمد أمين أن يعوّد نفسه على شيء آخر غير القراءة قبل أن يصاب بالعمى، فعلى أي شيء كان سيعوّدها؟ هل ثمة ما يعادل متعة القراءة لمن عرفها؟ حاولت - كإجابة عملية عن هذا السؤال - أن ألتفت لمتع أخرى حولي، فدخلت مع عالم الطفولة في جراند مول حيث ركن (هابي لاند) ولعقت البوظة كطفلة مرحة تجيد الالتفات لأشياء بسيطة وجميلة، لأعوّض نفسي شيئا من طفولتها التي تصر على الطفو حينا بعد آخر، ولكن الروح بقيت تهفو إلى مكتبة بوردرز في الجوار!

    منذ بدأ هاجس ضعف البصر يطاردني لدرجة الرعب، وأنا أحاول أن أعيش مع الكتب أكثر الأوقات الممكنة، لأعب من هذا السحر الذي بت أخشى أن يتلاشى فجأة، ولكني فكرت أخيرا أن كتابة الهواجس المرعبة قد يسهم في الشفاء منها، فهأنا أكشف لكم واحدا من أكثر هواجسي رعبا، وسأصدقكم: كلما انطفأت الكهرباء في بيتنا ليلا، فإن أول ما أحرص على التأكد منه هو أنها الكهرباء التي انطفأت وليست عيناي اللتين انطفأتا!

     سيشور عليّ الأشخاص العمليون - والمستعدون دائما لوضع الحلول الجذرية لكل مشكلة - بإجراء عملية ليزر في أقرب مركز عيون وتنتهي المشكلة برمتها ومعها هواجسها، بل قد يعطون ما يقطع بأنه لا حاجة لكتابة مثل هذا الكلام من الأساس، وإذ أقدّر لهم حرصهم، وأغبط تبنيهم نهج الحياة الأقل قدرا من الشكوى وتضخيم المشكلات، فإني دأبت على إعطاء المشاعر التي منشؤها الهواجس فرصة أن تفصح عن ذاتها، لأتأملها وأمحّصها، وأفسح لخيالاتها مساحة من أرض الواقع لأفهم ما كان، وما يمكن أن يكون، لأفهم هذه النفس كيف تعمل مع رغباتها ومخاوفها، فأركلها من بعد في خانة ما من تلك الحلول التقنية التي لا أكثر منها في عالمنا، ولكن هناك من سبق وكتب عن معاناته مع فقد بصره، وتعلمنا منهم أن الحياة لا تستشيرنا أبدا مهما وضعنا الحلول، وأن معاناتهم - المكتوبة - تستحق أن نسجل حيالها مشاعرنا الحقيقة أو المفترضة فيما لو كنا في مواقعهم.

     أنا لا أخاف من الموت، ولكني أخاف من العمى يا أصدقاء، أخاف من الفراغ الذي لا يكفيه شيء آخر ليملأ حفرته المهولة. أعرف أن الحديث عن القراءة والكتب يأخذ عادة طابعا استعراضيا- لاسيما عند القراء الفيسبوكيين - فيصيب بعضهم بالامتعاض، ولكني أكتبه مدفوعة بهاجس الرعب، الذي أود أن أخرجه من منطقة ما في الأعماق المطمورة ليصبح خفيفا كبالونة تطير في الفضاء فلا تعود إلى الأعماق نفسها مجددا، وتأخذ معها كل ما يجعل من رؤية الكتب الكثيرة - غير المقروءة بعد - مزيجا من الخوف والرغبة معا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق