العلامة إبراهيم بن سعيد العبري .. شاعرا وأديبا
لـ: د. محمود بن مبارك السليمي
ومنى بنت حـبــراس السليمية
توطئة:
غالبا ما يكون تناول نتاج الفقهاء والعلماء الشعري والأدبي تناولا ينزاح به عن القوالب النمطية لشخصيات طالما أولينا جوانبها الدينية جل اهتمامنا، ولكننا قلما نلتفت – في واقعنا الراهن على الأقل – إلى الجوانب الأدبية من ذلك النتاج، وفي واقع الحال فإن الأدب في حقبته تلك – التي عاشها علامتنا الجليل – وما قبلها وما تلاها بقليل، لم يكن لينفصل عن الفقه والقضاء والسياسة والتاريخ، فقد كان الوعاء الحافظ لكل ذلك، إلى أن جاء زمننا الحاضر القريب الذي شطر الأدب عن العلوم الأخرى، وجعله مستقلا موغلا في غربته عما سواه، بل أصبح الفصل بينه وبين بقية فروع المعرفة عموما، وفروع الدين – خصوصا – واجبا يزعمه أولو الحداثة المعاصرين، فاختفى من تصنيفات تاريخ الأدب وأعلامه – في حاضرنا – ما نسميه: الأديب الفقيه، والأديب المؤرخ، والأديب القاضي، وغيرها، وقد أصبح الأديب يباعد بينه وبين هؤلاء، وغدا هؤلاء قلما يجترحون شيئا من الفقه والدين في أدبهم[1].
وشيخنا العبري، واحد من أولئك الذين حق لنا أن نطلق عليهم العلامة الفقيه، والقاضي الأديب، والشاعر المفتي، والسياسي المؤرخ، الأمر الذي يجعل من نتاجه مجتمعا دلالة على سعة، وعلامة على رجل متنوع المواهب متعدد القدرات.
عتبة البدء:
تحمل هذه الورقة عنوان "العلامة إبراهيم بن سعيد العبري شاعرا وأديبا"، وهي بذلك تأخذ منحى يختلف عن بقية أوراق هذه الندوة المباركة، وقد كان على متلمس الشعر في نتاج الرجل أن يتجاوز كثيرا من الشعر من أجل بلوغ لب الشعر، أو ما نسميه شعرية الشعر بالنسبة لرجل عُرف بالدين والفقه والسياسة والقضاء في مراتبه الأولى، وشاعرا في مرتبة لاحقة.
والعبري، فوق أنه يُعِد الشعر حافظا للمعارف، فإنه يعده كذلك موثِّقا حقيقيا للفتوى وحافظا للمعرفة وناقلا لها، فالشعر وسيلة إعلامية – كما كان دوما – في عصور زهوه، والعبري بعد أن وجد نفسه مضطرا لتكرار فتوى القضية الواحدة حيثما حل، وأينما وُجد، لم يجد غير الشعر ليصبها فيه، بغية وصولها إلى مريديها بما يعفيه من تكرارها كلما تغير الزمان والمكان والسائلين. يقول في ذلك مقدما لقصيدة ضمّنها فتوى أخذ إبر العلاج في نهار رمضان، وقد كانت علاجا جديدا في ذلك الوقت حار الناس في حكمه، يقول في مقدمتها:
"أما بعد، فإنه قد كثر سؤال الناس أيامنا [هذه] عن حكم ضرب الإبر المتخذة في هذا الأوان لمن كان صائما هل يضر ذلك صومه أم لا، وقد طالما أجبناهم بمسقط وغيرها أن لا بأس بذلك، ولكن الناس لا يكتفون بالجواب إذا كان خاصا بسؤال أحد من الناس فكتبت لهم هذه الأبيات جوابا لجميع السائلين:
يا سائلين عن التطعيم بالإبــر للصائمين لدفع الســـــقم والضرر
إني أقول وخير القول أصدقه الدين يسر وما في الدين من عسر"[2]
إلى نهاية القصيدة التي بلغ عدد أبياتها خمسة عشر بيتا، إيمانا من سماحة الشيخ بالوظيفة الإعلامية والتوثيقية التي يؤديها الشعر، في وقت لم تكن وسائل الإعلام الحالية متاحة، وإن أتيحت فهي لا تصل للسواد العام من الطالبين والسائلين.
وإلى جانب توثيق الفتوى، فقد اعتمد العبري الشعر موثِقا للأحداث والمناسبات، فكثر في شعره ما يوثق مناسبات بعينها، أو يؤرخ لحدث شهده، أو زيارة قام بها، أو قام بها غيره، أو رحلة شارك فيها ودعا إليها.
كما يكثر أن نجد في شعره البيت والبيتين قالهما في ظرفهما، مما يشي بأن الشعر عنده يصدر سجيا عفو الخاطر، ولو أنه وجد من يكتبه خلفه على الدوام، لوجدنا من شعره وأبياته الشيء الكثير.
وإذا كان لنا أن نقف عند العلامات الفارقة في شعر الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، فإنه يلفتنا في نتاجه الشعري تلك المدائح، والمراثي، وأشعار المناسبات التي يقولها في بعض الأحداث، فضلا عن وجود بعض القصائد التي يوثق بها تجاربه الشخصية مع مستجدات العصر، ومثلها ضمنها ما يصفه أو يشاهده ويعاينه في حياته اليومية البسيطة، أو ما يرد به على غيره معارضا أو مفندا.
مدائح الشيخ العبري:
عاش الشيخ العبري في فترة زمنية عرفت بانقسام السلطنة العمانية ما بين سلطنة وإمامة، ولكنها من الوفاق ما جعل شاعرنا يتنقل بينهما فيمدح السلطان تارة، ويمدح الإمام تارة أخرى، ولعل تلك واحدة من نتائج معاهدة السيب التي قضت بالصلح بين عمان الداخل والعاصمة مسقط، فانعكست ظلال ذلك على حياة الشاعر العبري، فمن مدحياته في السلطان سعيد بن تيمور مهنئا إياه بعيد الفطر يقول:
أتى العيـــــد فليهنأ بك العيــــد والفطـــر
لأنـــــك أنت العيـــــــــد للنـــــــاس والقطـــر
مضى الصوم مشمولا ببـــــرك والتقـــى
وصومــــك في مجمـــــوعه الخالص البـــــر
إذا سر أقـــــــــــوام بأيــــــام عيـــــــدهم
فنـــــــور محياك المســــــــــــرة واليســــــر
تبــــــارك من أولاك حكما وحكمـــــــــة
وعلمــــــا وإقدامــــــــا يحالفه النصــــــــــــر
فأنت أبـــــــو قابوس صفــــــــــوة دهرنا
فلا عجب إن تــــــــاه فخرا بك الدهـــــــــــر
فلو أن أعصــــــــار الملوك تفاخـــــــرت
لكان لعصــــــرٍ أنت مالكــــــــــه الفخـــــــر
لقــــــــــد فقتهم عقلا ورأيـا ونائــــــــــــلا
وبأســـــــا فما الليث الهزبــــــر وما البحـــر
فكــــم سُنّــــــــة أحييتــــــــها وفضيلـــــــة
سبقت إليهـــــــــا أيها الســــــــــابق الذمــــر
إذا سخّــــر المولـــــــى سعيـــــــــــدا لأمة
فأمتـــــــــــه مســــــــعودة وكذا العصــــــــر
فلــــــــــولاك ما قامت شرائـــــــــــع ديننا
ولا السنـــــــــــــة الغــــــراء قام لها ذكـــــــر
وللنـــــــاس آمــــــــــــال إليك طويلــــــــة
فلا خــــابت الآمــــــــــال فيك ولا الفكــــــــر
وللخلــــــق إقبال عليــــــك ورغبـــــــــــة
وذاك لأمــــــــــر شـــــاءه من له الأمــــــــــر[3]
ولعل الملاحِظَ يدرك أنها من القصائد النادرة التي تعكس بعدا سياسيا، ورؤية قلما وصلت إلى العامة عن تلك الحقبة من الحكم، ففيها - حسبما تشي به أبيات علامتنا الجليل – ما يستحق إعادة النظر، فقد مدح الشيخ العبري السلطان سعيد بن تيمور وعصره بما فيه من الخير، وإلى ما يأمله الناس ويعولون عليه من السلطان، وبما شهده من حفظ للدين، وتحقيق لسعد الأمة، ولعل القارئ يستوقفه في مدحيات الشيخ العبري (الازدواجية)، فهو في الوقت الذي يمدح فيه السلطنة ممثلة في شخص السلطان سعيد بن تيمور، يمدح الإمامة ممثلة في شخص الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، بقاموس شعري يكاد يتشابه إن لم يتطابق، فها هو يقول في مدح الإمام حين زار الحمراء:
كَمُلت لنا بوجـــــودك الســــراء وتهللـــــت لقدومـــــك الحمــــــــــراء
وبدا محياك المنير فأشـــــــرقت أرجاؤها وانــــــزاحت الظلمــــــــــاء
وحللت في برج السعود مجلـــلا فغدت تغــــــار لذلك الجــــــــــــوزاء
يا أيها العلم الإمام المرتضـــــى طود الحجــــا والحجة البيضـــــــــــاء
شرفتنا بالوصل منـــك وباللقــــا من بعـــــــد ما قد عـــــــــز منك لقاء
هذي بلادك لم تزل ترجــــو بأن تبدو بها مــــــن نورك الأضــــــــواء
ترجوك تمنحها الوصول لتكتسي ثوب الفخـــــــــار وتكمل النعمــــــاء
ورد البشير عشيـــــــــة بقدومكم فنمت بطيب حديثـــــه الأنبــــــــــــاء
وتراقصت فرحا بك الأشجار والأ حجــــــــار والآبــــــــــاء والأبنـــــاء
لم يبق فيها نـــــــاطق أو صامت إلا ســــــرت في نفســــــه الســـــراء
فلنا الهنا لمــــــا حللت بلادنــــــا ولك الثنـــــــا والفضــــــل والعليـــاء
سعدت بك الأيام وابتهجت بك الأ قـــــوام وانقــــــادت لك الأمــــــــراء
قد سرت فينا سيــــــرة عمـــرية يعلــــــو لها في الخافقيـــــــن سنــــاء
ونشرت أعــــلام الديانة والهدى لولاك لم يرفـــــع لذاك لـــــــــــــواء
وكسرت شوكة كل باغ غاشـــم فتصاغرت من بأســــــــــك العظماء
يا أيها القطب "الخليلي" الـــذي شهدت له العلمـــــــــاء والبلغــــــــاء
أنت الغياث لملتــــج ولمرتـــج ولمجتـــــد قد مسّـــــــه الإعفــــــــاء
كم قد همت من سيب جودك بالندى للمعتفيــــــــــن سحـــــــــــابة وطفاء
مالي إلى استقصاء وصفك قدرة عن حصر فضلك تعجز الشــــــعراء
فاسلم ودم في عـــــــزة وسعادة وســــــلامة ما هبت النســــــــــــماء
وصلاة ربي دائما وســــــلامــه للمصطفى مـــــــــا درّت الأنـــــواء
وعلى جميع الآل والأصحاب والأ تباع ما قد غـــــــــرّدت ورقـــــــاء
وفي حال كهذه، ونحن أمام نصين مدحيين، ما يجعل الباحث يتساءل عن مساحة الصدق الواقعي في ثنيات الصدق الفني الذي كشفت عنه الأبيات السالفة في القصيدتين، فهل كان المدح نوعا من الدبلوماسية التي يؤديها شخص محنك كالشيخ العبري في سبيل التقريب، إذ عرف للظروف مناسباتها فأحسن توظيف الشعر فيها؟ أم أن التقارب الحقيقي في الرؤى وما وصلت إليه الأحوال السياسية في ذلك الأوان بتوقيع معاهدة السيب هو ما ألقى بظلال الوئام فأعطى الشاعر فسحة للتعبير عن حسنات كلا الرجلين في قصيدتين مستقلتين؟
ومهما يكن من أمر، فقد بدا أن من يمن طالع شيخنا الجليل أن يكون ممن يشهد انتقال أمر عمان إلى حاكم واحد، فتنصهر السلطنة والإمامة في عمان موحدة الداخل والساحل، تحت حكم السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – الذتي كتب فيه قصيدة مدحية، يقول فيها:
طلعت شمســــنا فـــــزال الظــلام وبدا سعدنا فطــــــــال الســـــــلام
ومضى البؤس ذاهبا مـــــــذ تولى أمــــر قابــــــوس المليك الهمـــام
هو سلطاننا سليــــــل سعيــــــــــد ثم تيمـــــــــــــور جـــــــدّه المقدام
واحد المجد والعلى والحيــــا والــ جود والبــــــأس بل هو الضرغـام
فبه قد غــــــدت عمان عروســـــا غبطتهــــــــا عراقها والشـــــــــام
كم بنى من مدارس وقصــــــــــور شامخــــــــــات كأنها الأهـــــــرام
وبنى للعـــــــــلاج مستشفيــــــات يعتريهــــــا من يعتريه سقـــــــــام
ولكم عبّد المســــــــــالك والطــــر ق فطـــــــــابت به لنا الأيــــــــــام
إلى آخر تلك القصيدة التي قالها في أول جولة سلطانية إلى الظاهرة والبريمي، وقد بلغت عدد أبياتها 84 بيتا، توثق مجريات تلك الجولة وما حدث فيها، وما شهدته من أحداث، ليعيدنا إلى الطابع التوثيقي لشعر الشيخ العبري، في تبيان الغاية الشعرية التي ينهض عليها معظم شعره، فهو – بعد كل شيء – إنما يصف ما يجد، ويجعل ذلك مناط المدح عنده، وأساس القول لديه.
قصائده الوصفيه:
فإذا كان الوصف بغية التوثيق هو الأساس الشعري الذي تنهض عليه شاعرية الشيخ العبري، فإنه بموازاة ذلك ما يفتأ ينقل تجربته الشخصية في وصفياته التي يكاد يلمس قارئها دهشة في تعبيره، فيعيش الحدث معه ويرى بعينه ما يراه، وله في ذلك قصيدة يصف فيها أول ركوبه للمركبة، التي رآها في ذلك الحين آية من الآيات وعجيبة من العجائب، يقول فيها:
سارت بنا تقطع البيـــــداء آلات فيها عجائب لا تحصـــــى وآيــــــات
تمر كالنجم والأبصار شاخصـة تجري بها عجلا في الأرض عجلات
تخالها وهي في البيداء سائـــرة غضنفـــــــرا ولـــــــه زأر وصولات
سفينة البر تجــــــــري فيه آمنة من صولة البحر إن هاجته موجــــات
تسير والليل مرخ ســدل ظلمته والغيث منسكب والريح مزجـــــــــات
وفي النهار وشمس الأفق ضاحية تمـــــج ريقتهـا والحــــــــــر وهجات
ولعل رجل الألفية الثالثة لو أراد وصف السيارة لما وصفها كما وصفها الشيخ العبري، إذ إن الوصف في الأدب مقرون بالدهشة، فهي المغذي للصور التي يروم بها نقل المشاهَد إلى قارئ أو سامع لم يتسن له معرفة الموصوف، ومتى ما دخل الموصوف في دائرة المألوف اليومي بطل مفعول الوصف ببطلان الدهشة. ويقول مقارنا بينها وبين الدواب ذات الأرواح:
لا تشتكي أبدا جوعا ولا عطشا ولا نعاســـــا وفيها الركـــــب قد باتوا
تسير طردا وعكسا لا ينهنههــا زجر ولا فزع والأرض مومـــــــات
كالبيت واقفة والرعد قاصفــــة والبدر زاحفة والمَــــــــــــــور هالات
وإن بدت في ظلام الليل مقبلـة تخالها شهبــــــــــا ترمي بها الـــــلات
وإن تكن في مطاها وهي سائرة ترى الجبـــــــال لها سيـــــــر ووثبات
تطيع سائقها طوع الذلول ولا تنقـــــــاد إلا له والعــــــــــــدل منجاة
فالماء والنار في أحشائها اجتمعا وربما جمع الضـــــــــــــــــدين آيات
وهو في كل ذلك، إنما يصف جديد زمانه الذي ما عاد في زماننا كذلك، ويرجع هذه العجيبة إلى الفكر وتقدمه الذي أنتجها وأنتج مثيلاتها مما يطير في الجو أو يغوص في عمق البحر، يقول:
نتيجة الفكر في عصر به ظهرت عجائب بهـــــــرت والدهر حــالات
للكهرباء به أشياء مدهشـــــــــــة والطائرات لها في الجو جــــــولات
والغائصات ببطن اليــــــم جارية وفوقها لجج خضــــــــــــر وموجات
وهو في أبياته هذه يذكرنا بأبيات للشيخ العلامة أبي عبيد حمد بن عبيد السليمي، يقول فيها:
رجال العصــــــــر ذللتم جمادا عليه ركوبكم وكـــــــــــــــــذا النجاة
تطير إلى الهواء بغيـــــر روح بأجنحة وليـــــــــــــس به حيــــــــاة
يسير كريح عاد في مــــــــداها وتتبعهـــــــــــــا صواعق مزعجات
ونوعا قــــــــد جعلتم فيه صوتا يحدثنا وليــــــــــــــــــس هناك ذات
ومنه ما يشق المــــــــــاء ظهرا وبطنا وهــــــــــــــي تلك الغائصات
وكما هوّن الشيخ السليمي هذه المنجزات العلمية، بحجة أن ما عند الله خير وأبقى بقوله:
كفى عجبا بما جئتم وفخــــــــرا أفادت عصــــــــــــركم هذي الهبات
علمتم ظاهــــــــــــر الدنيا ولكن تغافلتم عــــــــــن الأخرى فهــــاتوا
لعلكم تشـــــــــــــــــدّون المطايا لها فالبــــــــــــــــــاقيات الصالحات
هي الحيوان فيها كل خيــــــــــر منــــــــــــــــــازل شامخات عاليات
وجدنا سماحة شيخنا العبري، يرد ذلك إلى النهاية الوشيكة التي أنبأت بها الروايات، وأن ما هذه الآلات العجيبة إلا واحدة من علامات آخر الزمان، يقول:
شمس الأثير بدت في الغرب طالعة مصداق ما وردت عنه الروايات
تقدم الغرب في عصـــــــر يؤخرنا عنه التنافس جهلا والخصــومات
يمحو التنافس بين القـــــــوم قوتهم والدهر من شأنه محـــــو وإثبات
فالله أودع في آيـــــــاته عجبـــــــا في الكون تستره عنا الجهــالات
سبحانه من مليك قـــــــادر وجبت له المحامد طرا والكمــــــــالات
وفي قصيدة وصفية أخرى، يصف فيها الصيف ردا على من ذم الشتاء، ونجده يلزم الطرف الآخر من السجال، رغم رغبة نفس القارئ فيما لو أنه لزم موقفا وسطا، غير أن حمية الشيخ واندفاعه جعله في موقف النقيض، يقول في معرض رده على عاب الصيف:
يا عائب الصيف في سمط من الكلم لقد أصبت فــــــــؤاد الصب بالكلَم
أقصر هُديت فما في الصيف منقصة كلا ولا فيه مــــــــن ذم ولا وصم
ما الصيف إلا صفاء للقلوب وخيـــر للنفــــــــــــوس وفصل جاء بالنعم
فيه البنفســـــــــــــــج مفتر بزهرته والورد مبتهـــــــج في زيّ مبتَسم
إلى أن يقول:
فالحر حُرٌ كريم النفس شيمتـــه عتق البرايا معا من ربقــــــة الوخـــم
تصبو إليه قلوب الخلق قاطبـــة والحر عند الشتا كالنــــــور في الظلم
إلى آخر تلك القصيدة التي بلغ عدد أبياتها 28 بيتا.
مرثياته:
تأتي مطالع مرثيات الشيخ العبري، مضمخة بالشاعرية الرقيقة، التي تنبئ عن حس مرهف، ولكنه سرعان ما ينحرف بها تجاه الوعظ، مذكرا بالآخرة ولزوم عد العدة لها، وترك مباهج الدنيا ولذتها، يقول في رثاء أستاذه الشيخ/ ماجد بن خميس العبري:
يا عيـــــن جــــــــودي بدمـــع مثــــــل الســـــــيول الهواطــــــــــــل
على الهمــــــــام المفـــــــــــدّى فتـــــــــــــى خميس الحــــــــــــلاحل
الماجـــــــــــــــــد الحبر شيخي بحـــــــــــــر الندى والفواضـــــــــــل
علامـــــــــة العصر طـــــــــرا بــــــــدر الهـــــــــدى المتكـــــــــامل
شمـــــــــــــــــــسٌ وليثٌ وغيث علمـــــــــــــــا وبأســـــــــــا ونـــــائل
أودى فـــــــــــــأودى لديـــــــــه علـــــــــــــم وحلــــــــــــــم وطائـــــل
كم قـــــــــــــــد أفاد جليــــــــسا من حكمــــــــــــــــة وشمـــــــــــــــائل
فهذه نماذج مختارة في إلماعة سريعة إلى شاعرية الشيخ العبري، التي لا شك أنها بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل سيما في موضوعاتها الرثائية والإخوانية، التي جادت بها شاعريته، والمتأمل في قصيدته التي قالها بعنوان (هداية الجهول إلى ما يلزمه من الأدب في صحابة الرسول) فهو عنوان يعكس الرؤية التي انتهجها الشاعر العبري نحو صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنها رؤية تنطلق من قاعدة عن الإباضية بوجوب احترام مقام الصحابة، فمع أنهم نظروا إليهم على أنهم بشر كما أشار إلى ذلك أبو مسلم الرواحي في قصيدته الرائية الشهيرة، وهو موقف كبار العلماء منهم، كما قال الإمام السالمي في أرجوزته المشهورة:
فهذه بلادنا لا تلقـــــــى فيها لسب الصحب قط نطقا
حيث يقول الشيخ العبري:
وحين عم الجهل في الأنام من أجل فقد السادة الأعـــلام
قاموا يخوضون ويدرسون أحداث من مضى ولا يدرون
إلى أن يقول:
يا أيها الشاتم للصحابــة جهلا لقد حدت عن الإصابة
فتلك أمة خلت ونحن لا نسأل عن فعلهم الذي خـــلا
وبعد،
فقد كان تطوافنا مع شذرات من شعر شيخنا المفتي إبراهيم بن سعيد العبري سريعا، محاولين ما وسعت المحاولة أن نلقي ضوءا يسيرا على نتاجه الشعري، الذي رغم عدم اكتماله طباعة ونشرا، ولا نعرف مداه، يبقى جديرا بالاهتمام، وحاثا للهمم من أجل مزيد من العناية به وبنتاج غيره من الأعلام، الذين أثروا الساحة الأدبية العمانية، فلعل هنالك نصوصا لم تصل إلينا من شعر العبري تحمل بعدا فنيا أكثر شعرية مما وقعنا عليه، حسب المقاييس النقدية لشعرية الشعر التي تحيله إلى وظائف أخرى ليس التوثيق – الذي اعتمده شيخنا – أحدها بالضرورة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] انظر: العدوي، خميس: لسرب اليمام أكثر من أغنية، قراءة في ديوان الحضرمي: في السهل يشدو اليمام، بيروت، مؤسسة دار الانتشار العربي، 2012، ص18
[2] العبري، حمد بن محسن: سلسلة علماء ومشاهير عمان، مطابع النهضة، ص85
[3] السابق، ص26
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق