"قراءة في فكر أبي عبيد السليمي"[1]
منى بنت حبراس السليمية
عتبة البدء:
يعرِّف ابن منظور الفَكرَ والفِكْرَ بأنه: "إعمال الخاطر في الشيء؛ قال سيبويه: ولا يُجمع الفِكْرُ ولا العِلمُ ولا النظرُ، قال: وقد حكى ابن دريد في جمعه أفكارا. والفِكرة: كالفِكر وقد فَكَر في الشيء وأَفْكَرَ فيه وتَفَكَّرَ بمعنى"[2]
ولما كان الفكر عملا ذهنيا صرفا، وجدناه يختلط عند العامة والخاصة على حد سواء بلفظة العقل، ويلتبس إجرائيا – وفي آن معا – مع لفظة التفكير التي من لفظه. وفي الواقع: إن وجود العقل لا يقترن شرطا بوجود الفكر، كما أن التفكير لا يفضي بالضرورة إلى تحقق مفهوم الفكر، فليس كل عاقل مفكرا، مثلما أنه ليس كل من فكر أصبح كذلك.
فالفكر بناء يقوم على أركان تؤسس لنظرة ثابتة تجاه الحياة، وتشتغل على مجموعة من التفاصيل التي تتبدل مع تبدل الظروف والأزمان، دون أن يؤدي تبدلها إلى تضعضع الثوابت والمرتكزات التي يقوم عليها هذا البناء الفكري أو ذاك، ومن هذا المنطلق فإن الفكر ليس موقفا منفصلا أو فكرة مستقلة، بل هو منظومة المواقف والأفكار المتفرعة جداول على جانبي نهر الفكر الكبير، فتتغذى تلك الفروع من الأصل الذي تفرعت عنه، لتشابه المواقفُ بعضَها، وتشاكل الرؤى غيرَها في الخطوط العريضة، لأنها تصدر عن أساس واحد، وهو ذلك الفكر الذي تأسس على مدى طويل من التأمل والتفكير والتجربة.
وهنا يفرض السؤال نفسه عن مدى توفر المقومات التي من شأنها أن ترشح شخصية كشخصية الشيخ حمد بن عبيد السليمي ليكون رائدا فكريا في عهد مضى غير بعيد؛ فبحكم مركزه الثلاثي الأبعاد – إن جاز لنا ذلك – المعلم والقاضي والوالي[3] يتيح لعلميته نوافذ للتأثير الفكري في وطنه ومجتمعه، فضلا عن نشاطه التأليفي في الفقه والعقيدة، والفقه المتأدب. كل ذلك يضعنا أمام حضرة رجل ترك لنا إرثا فكريا عريضا، تصعب الإحاطة به ضمن هذه الوريقات العجلى.
يضاف إلى ذلك، أنه لا يختلف اثنان على أن قراءة فكر الرجال – دون أن نعني تفرقة جنسية – أصعب أنواع القراءة، نقول ذلك لأنها قراءة تشترط - سلفا - جملة محددات لابد أن تتوفر لدى قارئ هذا الفكر أو ذاك (نقول فكرا وليس أفكارا) – وهي محددات لا أحسبني أدَّعيها – ولكنني أتجشم محاولة تقديم صورة عن النشاط الفكري لعَلَمٍ من أعلام هذا البلد، الذين يصعب الإحاطة بنشاطهم غير المقتصر على ما تبقى بين أيدينا منه؛ منشورا أو مخطوطا. فمن تلك المحددات التي تقرُّها القراءات الفكرية وتتطلبها: شمولية القراءة؛ إذ لا يتأتى رسم صورة كبرى عنه إلا بقراءة فاحصة لجل ما أنتجه صاحب الفكر المراد دراسته، ويتعدى ذلك ليشمل كل ما صدر عنه وما أتاه في مواجهة مواقف الحياة بتفاصيلها المتنوعة، هذا إذا ما فهمنا أن الإنسان ليس سوى محصلة أفكاره.
ورغم هذا الشرط المبدئي الصعب، إلا أن الفكر ليس مما تستحيل تجليته منذ الوهلة الأولى، لأنه خارطة الطريق الكبرى، التي لا تعجز متتبع الأجزاء عن الاهتداء إلى الكل المتكامل من الصورة، وعلى ذلك فإن قصارى ما سأقوم به هنا هو المعاينة الجزئية التي يعقبها تحليل للرؤية الفكرية التي حكمت هذا الموقف أو ذاك لدى شيخنا السليمي، وقد آثرت أن أوزع التجليات الفكرية لديه إلى دينية وعظية، وسياسية إصلاحية، وتعليمية تنويرية، وأخرى علمية، وأخيرا صوفية؛ نظرا لأنها الجوانب الأجلى في نشاطه الفكري عامة، متجاوزة إلى ذلك كله البعدين الفقهي والعقدي، اللذين وجدا طريقهما إلى البحث من قبل ومن بعد، وقد كان لهما في أوراق هذه الندوة وقفة.
أولا: فكره الوعظي والديني[4]
لما كان الشيخ أبو عبيد معلِّما، وهو العالمُ الجليل، وجدنا الوعظ بابا واسعا (بدهيا) يلِجُهُ كل من كان – وما يزال – في مقامه في أثناء تعاملاته ومداولاته اليومية مع تلامذته ومريديه وجلاَّسه كشأن جميع الدعاة والفقهاء، لأن الوعظ هو ذلك الاتصال اللفظي المباشر والبسيط بين الواعظ والموعوظ، بيد أنه باب يسهل النفور منه متى ما جاء ثقيلا مقتصرا على الأمر والنهي، والترك والأخذ، والزجر والترهيب. وما كان للشيخ أبي عبيد أن يُغفل ذلك وقد خبر صنوفا من البشر، وعرف أشكالا من النفوس، فوجدناه يعمد إلى (مَسْرَحَة) الفكرة الوعظية، مدعما إياها بما يرتئيه من رؤى تخدم الحق الذي يروم إيصاله إلى المتلقي. ونحن عندما نقول (مَسْرَحَة)، فإننا نعني بها تحويل (الذهني) والمجرد إلى واقع معاش، وتحويل الفكرة إلى حياة، لتأخذ لفظة (المَسْرَحَة) من فعل المسرح سلوكه وأدواته، ومن الحدث مادته وموضوعه، مبسطا إياها في درامية أبلغ من الكلام المنظّر والوعظ الجاف.
وإذا كان لنا أن نضرب مثالا على (مَسْرَحَة الفكرة الوعظية)، فإننا ندلل بالقصة التي وردت في غير موضع في مقدمات كتبه المحقَّقَة، وهي القصة التي جمعته مع داعية باكستاني على ظهر سفينة لأداء فريضة الحج، فوجد شيخُنا من صاحبه – على صلاحه وتقواه – مداومة على التدخين، إذ يصعد على ظهر السفينة من حين لآخر ليعبَّ من الدخان مالئا به صدره الحافظ للقرآن الكريم. فما كان أسهل – والحال هذه – على أبي عبيد – إن صدقت القصة – أن يذكِّر العارف بما يعرف – وهو الداعية – فتستقيم الأمور، ويترك المخطئ خطأه ليصفو ظاهره بصفاء باطنه، إلا أننا وجدنا في وعظ أبي عبيد شيئا آخر، فها هو يذهب إليه في إحدى الليالي ويسأله عن دخانه الذي يشربه أين هو، فيستغرب الرجل لماذا يسأله أبو عبيد عن ذلك، فيطلب منه أبو عبيد أن يحضره، فيفعل الرجل وهو في حيرة من أمره، وبعد أن يحضره يطلب منه أبو عبيد أن يشعل دخانه فيفعل، فيخرج أبو عبيد مصحفا كان يحمله داخل ثيابه، ويطلب من الباكستاني أن يقرب منه الدخان، فيسأله الرجل: "لماذا؟"، فيقول أبو عبيد: "كي أبخر به هذا المصحف وأطيبه به"، فيستغفر الباكستاني من كلام أبي عبيد، ويسأله كيف يبخر كلام الله بهذا الدخان؟ فيقول له أبو عبيد: "ذلك ليس بغريب فأنت تفعل ذلك طوال الوقت تحضر هذا المصحف وتبخره بهذا الدخان السام المحرم"، فيسأله الرجل: كيف؟ فيرد عليه: "بأنك تحفظ كلام الله عن ظهر قلب في صدرك هذا، ثم تبخره بهذا الدخان السام الذي تملأ به صدرك فتمازج به القرآن"، فيبكي الرجل ويستغفر على ما كان منه، ويقرر ألا يعود للدخان مرة أخرى[5]
فليست القضية بعد كل شيء قضيةَ مقابلة، بقدر ما هي مناسبة الأشياء للأشياء، متخذا من فكرة المسرحة السالفة الذكر سبيلا للفكرة، فالشيخ يعلم بمعرفة الرجل اليقينية بأن الدخان سام ومحرم، إلا أن مركب الوعظ ليس هيِّنا قيادُه، ووعظ العارف أصعب وأشق على الواعظ من وعظ الجاهل، وأسلوب المباشرة الذي (قد) ينفع مع ذاك، فقد لن يجدي مع هذا، فيقرر الذهاب إلى آخر الشوط منسجما مع المنطلق الذي ينطلق منه الموعوظ، حتى يصل معه إلى الهدف المراد بلوغه، تاركا له مهمة استنطاق الحق وقد جلا، وهكذا قيل: عامل أهل المنطق بمنطقهم، وإن بدوت في لحظة ما خارجا على الحق، ولكنه الخروج الذي يعيد الوضع برمته إلى الحق الساطع الذي لا لبس فيه.
ولنا أن نعرف بأن تلك الوسيلة التي تخيَّرها الشيخ أبو عبيد ليست مجرد موقف، بل إنها تنطلق من مكان ما قصيٍّ في فكره، نمّاها بالملاحظة الدقيقة والتأمل الطويل، ووعاها منذ وقت مبكر من معايشته ليوميات الناس، حتى اختار أن يجعل من المعاش وسيلة للتواصل الفكري مع غيره، فليست مهمة المفكر التنظير الأجوف وإن بدت القضية أسهل من كل هذا وذاك، ولكنه يحمل رسالة أكبر من كل المسافات القصيرة التي قد تبدو لغيره أقرب للهدف وأوفر للجهد، لأنه حمَل الإقناع هما، واختار المنطق مسلكا.
ولعل موقفه هذا يشبه من قريب أو بعيد موقفه في معرض رده على سؤال أتاه من الشيخ سالم بن حمود السيابي، فيقول مجيبا:
لقد جاء في الذكر الحكيم خطـاب يؤكد أنْ للســــــــــائلين جــــوابُ
إذا ما دعا يوما على الكفـر بالفنا وبالموت داع مؤمـــــن ومجــاب
فحلَّ عذاب الله فيهمْ وزلزلــــــوا ودكت جبال فوقهــــمْ ورحــــاب
وعم أولي الإسلام مالا وأنفســــا ونالهــــمُ منهم تـــــــــوىً وتبابُ
فلا يضمن الداعي إذا كان قاصدا هلاك أولي الشرك الوبيّ فخابوا
وهذا كمن يدعو لإحيــــــــاء بلدة يريــــــــــد لهم غيثا فعنَّ سحاب
فسالت بطاح الأرض شرقا ومغربا وهُدَّت قُرىً منــــه وحـــلّ خراب
فما ثمّ من يفتي بتضمين من دعـا لأن على الشرك الدعاءَ صــواب
فإن قيل قست الفرع بالفـرع ههنا خلاف الأصوليين قيــــل جواب
لقد جاء عن أهل الأصول مؤصلا قياس فروع بالفروع يُصـــــاب
قس المِثْلَ بالأمثال وانظر شبيههـا رُوِينا عن الفاروق ليس يعــاب
وما حيلة الداعي إذا نزل القضـــا وحلّ كما شاء الإله عـــــــــذاب
ولا دافع يوما لأمر جــــــــرى به على العبد في اللوح العظيم كتاب[6]
ففي الأبيات السابقة ما يستحق الوقوف على أكثر من ركيزة، أما أولاها فهي ما ذهبنا إليه من انتهاجه منهج المسرحة في تبيان الفكرة، فجعل الإجابة حاملة وجها تمثيليا يقرب إلى الأذهان ما يروم بيانَه، وهو إلى جانب ذلك يكشف عن منهجه الفقهي في الفتوى، إذ لا يستنكف عن قياس الفروع بالفروع ولا يجد في ذلك حرجا مادامت الأمثال تتشابه، بل إنه يحث على تلك المشابهة، وسندرك أن هذا نهجٌ آخر انتهجه الشيخ السليمي في كثير من رؤاه وأفكاره، ومن ثم في فتواه وأحكامه.
وعلى خلاف المَسْرَحَة التي نصرُّ عليها هاهنا، "كان أبو عبيد آمرا بالمعروف لا يتردد عن قول كلمة الحق، يزجر الناس عن فعل المنكر وينهاهم عنه، يقول القاضي سيف بن محمد الفارسي: "وكان آمرا ناهيا صادعا بالحق، قامعا للباطل" فكان إذا خرج يتوضأ لصلاة الفجر وسمع صوت أحدهم عائدا لبيته متأخرا، يناديه باسمه، وينهاه عن الخروج ليلا، ويأمره بأن يلازم بيته"[7] لأن الوعظ لديه والنصح لا ينفصلان عن نهجه التربوي والتعليمي، فقد كان جزءا من هذين، مثلما أنهما جزء من الواجب الديني العام الذي يصرُّ على أن الدين النصيحة؛ تلك النصيحة التي يتخير لها مقامها ومقالها، مَسْرَحَتَها ومباشرتها، لفظها ومعناها، أصولها وفروعها.
ثانيا: فكره التعليمي التنويري
تَشكَّل الفكر التنويري لدى أبي عبيد من واقع اضطلاعه بمهام الريادة الدينية، والتربوية، والتعليمية، والاجتماعية؛ فوجوده في صدر المحافل القضائية والدينية جعله ينهض بمسؤولية جسيمة لا تقتصر على الفتاوى والدروس التي يعطيها لطلابه في مجلسه بالجعفرية، بل امتد نشاطه لأبعد من ذلك، فهو لا يقتصر في كل موقف على إصابة هدف مباشر، وإنما كان يحاول أن يبني جيلا متعلما فاهما عارفا، عامدا إلى فتح آفاق الرؤية والنظر، لذلك وجدناه لا يفوت موقفا لا يمرر فيه رسالته بأهمية طلب العلم، مذكرا بالشرف الذي يناله المتعلمون، وكم من أبيات بذلك ضمنها ردوده على أسئلة سائليه، يقول مثلا:
من يلزم العلم في الدنيا ينل شرفا من ربــــه فـي حياتيه بتقــــــريب
أجلّ شيء من الدنيــا وأحســــنه ذكراك لله لا حســـــــنَ ابنِ يعقوب
يا ناظرا لسواه لا يغــــــــرَّك ما تـــــــراه من زهرةٍ فيها وتحبيـــب
فالسم في الدسم معجون بمطعمه والحســــــن يقتل من يهوى بتعذيب
والنحل شهـــــــد ولكن دونه إبر وكم بدت بيــــــن مأكول ومشروب
لله در رجال للكمال ســـــــموا برفــــرفٍ وبراقٍ خير مركــــــوب
لا يلحق القوم إلا مــن له نجب كالبرق في سيــــــــرها لكن بترتيب[8]
والعلم يأخذ لدى أبي عبيد غير معنى، فهو في أبياته السالفة يقرن العلم بالاقتداء، وليس بالتعلم فحسب، ذلك الاقتداء المفضي إلى الكمال متى ما واكبته عزيمة وهمة تحاكي في مضائها نجبا كالبرق، ثم إنه في مكان آخر يمنح العلم معنى مدارسة الكتب إذ يقول:
رعى الله أقواما مدى الدهر همهم طِلاب المعالي مع مســـــامرة الكُتْبِ[9]
فما ينفك يؤكد على سائليه ضرورة أخذهم من صنوف العلم لأنها باب من أبواب السعادة في الحياتين الدنيوية والأخروية:
لعمرك إن العلم كنز من الغنى بصـــرف الحياتين الدنا والعــــواقب
فمنه اقتبس علما تفز بســـعادة فتصبحَ في الفردوس أعلى المناصب[10]
وقد دأب أبو عبيد على جعل العلم بدلا عن كل مباهج الحياة التي تنقضي بانقضائها، فليست إلى بقاء، مذكرا بأن الله مع طالب العلم:
هو العلم فاطلبه على القرب والنوى بلا ملل والله مـــع كل طــــــــالب
هو العلم لا تبغي نضارا وعســـجدا به فهو أغلى من جميـــع المواهب
عليك به تظفـــــــــــر بكل كـــرامة بصرف الحياتين الدنا والعــــواقب
رعى الله قوما لا يريــدون غيــــره فنالوا به في الله أسمى الغـــــوارب[11]
ولا يتوانى يوما عن تصحيح فكرة أو تقويم اتجاه كلما وجد ما لا تستقيم معه رؤية الدين الحنيف، فنراه في أجوبته لا يكتفي بالإجابة على السؤال وحسب، بل يعمد إلى تقويم الأفكار الواردة من سائله، ناصحا إياه عن ذاك المذهب أو هذا، فكم من سؤالٍ شاعرٍ ينتشي القارئ بشعريته الطافحة، نجد لأبي عبيد رأيا آخر على الصعيد المضموني، فلنتأمل سؤال الشيخ عبد الله بن علي الخليلي الذي يقول في مطلعه:
مالي وللخـــرد البيـــض الرعابيــب سود الغدائر بضــــــــاتٍ أعاريب
كأنها وهي تمشـــــــي في غـــلائلها دُمى تهادى على خُضـر الجلابيب
تكاد والله للمســـــــــــــــلوب يرحمه ما إن تغادر عقـــــلا غير مسلوب
تبارك الله منشي كل بـــــــارعة الـــ ـجمال مائلة الأعطاف خُرعـــوب
من كل غانيــــــــــة لـــــولا أنوثتها لقلتَ شمسٌ جلت وجهَ ابـنِ يعقوب
كأنما خــــــدها ذوب النضـــــار بدا في قالب من لجين النور مضروب
يا ساهر الطرف مشغوفا بها أبــــدا هلا شففت لمحفــــــــــــوظ ومكتوب
فيجيبه أبو عبيد بما يكف انتشاء القارئ الباحث عن شعرية الشعر التي تضج بها أبيات الشيخ الخليلي، مذكرا إياه بأن لا شيء يجلُّ على ذكر الله، وأن كل ما سواه ليس سوى غرورٍ ومحض إبر نحل متى ما رمت شهدها قدمتك بوخزها:
أجلّ شيء من الدنيــا وأحســــنه ذكراك لله لا حســـــــن ابن يعقوب
يا ناظرا لسواه لا يغــــــــرَّك ما تـــــــراه من زهرة فيها وتحبيـــب
فالسم في الدسم معجون بمطعمه والحســــــن يقتل من يهوى بتعذيب
والنحل شهـــــــد ولكن دونه إبر وكم بدت بيــــــن مأكول ومشروب
لله در رجال للكمال ســـــــموا برفــــرف وبراق خير مركــــــوب
لا يلحق القوم إلا مــن له نجب كالبرق في سيــــــــرها لكن بترتيب[12]
وما ذلك الهاجس التقويمي للأفكار والرؤى على حساب الشعرية إلا بسببٍ من الإحساس بالمسؤولية التي تحتم على أبي عبيد الحرص والحذر ليصب اهتمام المرء بعلم دينه، منوعا في أساليب دعوته العلمية ما بين الأمر الصريح بنيل العلم، والترغيب فيه وبشرفه وكرامته، وذلك بحسب السائل ودرجة تلمذته على يديه، فلما كان أبو سرور وموسى بن عيسى البكري أكثر طلابه قربا إليه – وهو ما يلاحظه القارئ على ردوده على أجوبته لهذين العلمين – وجدنا أسلوبه معهما أكثر خطابية وأوضح أمرا، فيقول ردا على أبي سرور:
أدعوك حثا على نيل العلوم هــدىً فقــــم وسارع تنل مـــــا أنت طالبُهُ
فكل من يخطب العليــــــا بلا تعب لم يحــــظ منها ولم تنجـــــح مآربُهُ
والعلم خيــــــــــر جليس للفتى أبدا يأبى الوفاة ويســــــــمو منه صاحبه
عليك بالعلم إن العلم نــــــور هدى يهــــدي به الله عبـــــدا قد يراقبـــــه
أنواره أشرقت في كل ناحيــــــــة كأنهــــــا البــــــدر لا نقصٌ يصاحبه
بالعلم يرقى الفتى فوق السماء عُلاً والعلم أشــــــــرف شيء عز جانبه[13]
فالمنظومة التنويرية التي يقوم عليها البنيان الفكري للشيخ أبي عبيد تنطلق من ظرف الزمان والمكان الذي لم يتح لجيله وجيل تلامذته وسائل نيل العلم غير ما يعرفونه جميعا من محدودية المصادر وتسيد المجالس العلمية في البيئة السمائلية على وجه الخصوص، فهذا المعطى يجعله يلح في طلبه بنيل العلم والسعي في سبيله، ذلك السعي الذي يجشم صاحبه عناء الترحال والسفر، لذا وجدناه عندما يحث على طلب العلم فإنه لا يعني طلب العلم بالتعلم وحسب، بل إن طرح السؤال يعد تعلما في حد ذاته، ونحن عندما نقول السؤال فإنما نعني ثقافة السؤال[14]، وفقه السؤال الذي يؤديه العارفون شعرا، وهو بذلك يقدم مائدته شهية أمام طلبته مشجعا إياهم على طرح السؤال بعد السؤال، مؤمنا بنبل رسالته التي يحرص على أن يجليها في فاتحة كل رد بأنها لجلاء المبهم وإنارة المظلم، وكشف الحجب وإضاءة الدجى، لتحل شمس علمه وتشرق أنوار فكره.
ثالثا: فكره العلمي
يقول عنه القاضي سيف بن محمد الفارسي: "لقب بداهية العلماء، لما تميز به من الحنكة والخبرة والدهاء والتجارب والفكر، الذي فاق بها الكثير من أقرانه"[15]
وهو مع ذلك، يعتمد في حل مسائل تتعلق بالقضاء على فراسته وفطنته التي ما خابت يوما، ولا أخطأ ظنه[16]، وله في ذلك مواقف شتى ليس السبيل هنا إلى ذكرها[17]
غير أن أبا عبيد يسجل موقفا علميا يستحق التأمل والنظر، يسجل فيه نظرته إزاء التطور العلمي الحاصل في العالم – في ذلك الوقت – فيقول في رد على سؤال من ناصر بن سالم البوسعيدي الذي سأله عن حكم الصلاة على المتردي من طائرة، يقول السؤال:
ألا أيهـــــا الإســـــلام صبـــــرا فإن عجـــــــائب الدنيــــــا شتات
مراكب في الهوى تمشي سراعا لها زجــــــــــل به متميـــــــــزات
عساكرها أولو كفــــــــرٍ عصاة بشرب الراح لم يصحــــــــوا نشاة
إذا ما المسلمون علوا مطـــــاها وهن على الســــــــــحائب طائرات
فمن في الأرض منهم قد تـردّى فمات فهل تجــــــــــــوز له الصلاة
لأن ركوبهم في الجــــو يفضي إلى الإتلاف إن سقطوا ومـــــــاتوا[18]
وهو موقف يربط الصنعة بالصانع، ملخصا سؤاله حول حكم استخدام المسلم لصنعة الكافر فمات بها، آسفا على الإسلام من هذه العجائب الشتات، وهو ما يذكرنا بالموقف العربي الأزلي الذي يرى في كل ما يجد في العالم ربطا بالنهاية الوشيكة، فيأتي رد أبي عبيد مصححا، وفاتحا أفق النظر في أكثر من اتجاه، فيقول:
أسفتُ على بني الإســــلام لما تأخــــــر شــــــــــوطهم وهم الهـداة
غدوا أيدي ســــــبا بين البرايا تصيـــــــــدهمُ الجـــــــوارح والبُزاة
إذا نام المراقب والمحـــــــامي تلحمت الســــــــــــــــباع الضاريات
أتعجب ناصــــرٌ من طائـرات أتتــــــــــــك بها الليالي الحاضــرات
لقد حمل الرخاء بســـــاط ملك رواح شهـــــــــــــــــرها وكذا الغداة
عليــــــه سما سليمان المفـــدّى نبيّ كُمِّلت فيـــــــــــه الصفـــــــــات
فتلك عوائد الرحمــــــــــن فينا مواهــــــــب ملكــــــــــــه متداولات
يدير الملك من هذا لهـــــــــــذا أمـــــــــــــــــور في البرية جاريـات
رجال العصــــــــر ذللتم جمادا عليه ركوبكم وكـــــــــــــــــذا النجاة
تطير إلى الهواء بغيـــــر روح بأجنحة وليـــــــــــــس به حيــــــــاة
إذا خرّ الفتى منها صريعــــــــا ومـــــــــــــات فقد تجوز له الصلاة
يسير كريح عاد في مــــــــداها وتتبعهـــــــــــــا صواعق مزعجات
ونوعا قــــــــد جعلتم فيه صوتا يحدثنا وليــــــــــــــــــس هناك ذات
ومنه ما يشق المــــــــــاء ظهرا وبطنا وهــــــــــــــي تلك الغائصات
كفى عجبا بما جئتم وفخــــــــرا أفادت عصــــــــــــركم هذي الهبات
علمتم ظاهــــــــــــر الدنيا ولكن تغافلتم عــــــــــن الأخرى فهــــاتوا
لعلكم تشـــــــــــــــــدّون المطايا لها فالبــــــــــــــــــاقيات الصالحات
هي الحيوان فيها كل خيــــــــــر منــــــــــــــــــازل شامخات عاليات
ينير المصطفى الهادي صــواها عليه ســـــــــــــــلام ربي والصلاة[19]
وإذا كان لنا أن نحلل هذه النظرة، فإننا نجد أنها ترتكز على نقاط ثلاث: أما أولاها، فإنها ترُدُّ الفضلَ لصاحب الفضل، وما من عجيبة علمية إلا وكان الله مدبرها وميسرها بفضله وعظم هباته على العباد، وهو ما يلخصه قول شاعر:
إن النـــــواة والالكترونــــات التي تجــــــــري يراها الله أو حين يراك
ثم، إن التقدم العلمي الحاصل لأولي الكفر – حسب تعبير السائل في أبياته – إنما هو أحد أشكال تداول الملك، يقول أبو عبيد:
يديــــــــر الملك من هذا لهـــــــذا أمـــــــــور في البريـــــــــة جاريات
وفي ذلك إقرار بأن الملك اليوم لمن يمتلك العلم، وامتناع هذا الامتلاك هو الذي منع الملك بالضرورة، متسببا في تأخر المسلمين:
أسفت على بني الإســــلام لمـــــا تأخر شــــــــــــــوطهم وهم الهــــداة
أما ثالثتها، فترتكز على التهوين من شأن هذا التقدم العلمي، والتقليل من شأنه متى ما كان الدين غائبا:
كفى عجبــــا بما جئتم وفخــــرا أفـــــــــادت عصركم هذي الهبــــــات
علمتم ظاهــــــــــر الدنيا ولكن تغافلتـــــــــــم عن الأخرى فهــــــــاتوا
بلغة لا تخلو من التحدي، وإذا كان لنا أن نحاور هذا المنطق في الرؤية (موضوعيا)، فنقول: إنه رغم إقرار أبي عبيد باقتران الملك بمن يمتلك الآلة اليوم، إلا أنه لا يدعو في موقفه إلى الأخذ من علوم تلك الآلة، فيظهر موقفه اكتفاء بالدين الحنيف لكونه الأبقى لدار البقاء، وما هذه الآلات التي يعددها في أبياته من طائرات وصواعق وغائصات - التي تطير بأجنحة بلا روح، وتشق الماء ظهرا وبطنا - سوى ظاهر الدنيا، وهي رؤية – حكمت وما زالت تحكم – الثقافة العربية والإسلامية حتى وقت قريب، ليذكرنا ذلك بما كان ينادي به الفيلسوف العربي زكي نجيب محمود من تجديد الفكر العربي، الذي في غمرة انشغاله بأخراه وهمِّ الإعداد لها، نسي أن العالم ما وراء البحار يُعمل أفكاره وعلمه من أجل تحقيق العجائب على الأرض وفي الجو وتحت البحر، فكلما ظهرت لنا عجيبة من عجائب العلم الحديث سارع المسلم والعربي إلى التهوين من شأنها وتحجيمها لأنها ليست تجدي ما دامت الأخرى أبقى وأصلح، دون أن يوجد لنفسه منطقة وسطا لا يفرط فيه أمر دينه، ولا يهمل الأخذ من علوم عصره.
إلا أن هذه القراءة الأولى لا ينبغي أن تفهم على ظاهرها، فليس لأبي عبيد أن يكون بهذه النظرة الأحادية، ولنا أن نفهم أنه إنما يدعو إلى الأخذ بالطرفين معا، فكأنما يقول: ليتهم جمعوا بين الاهتداء إلى الدين القويم والأخذ بعلوم العصر في آن.
رابعا: فكره السياسي
علمنا عن أبي عبيد تسجيله لعدد من المواقف السياسية، لعل أبرزها قصيدته التي قالها بعد انتصار الإمام محمد بن عبدالله الخليلي على السبوع في حرب الطو في بدبد، وقد أثبتها صاحب كتاب الشقائق[20]، كما يسجل موقفا آخر في إمامة الإمام غالب[21]، إلا أنه الممارسة السياسية تبقى شيئا آخر.
فنقول: هل كان أبو عبيد سياسيا، أو هل عرفنا عنه ركوب بحر السياسة عمره؟ وإن كان الأمر كذلك فمن أي المرتكزات كان يسوس؟ وكيف تجلى فكره السياسي من خلال قراءة ما بين أيدينا من نتاج أو ما وصلنا من سيرة مكتوبة أو شفهية؟
لقد كان أبو عبيد واليا، والولاية منصب إداري مسئول، وهو من موقعه هذا يمارس دورا سياسيا كاملا، فالسياسة بعد كل شيء هي "تولي أمر الناس وإرشادهم إلى الطريق الصحيح"[22] وما السياسي إلا ذاك "الذي يعنى بشؤون السياسة"[23] وما يتعلق بها، وهو ما يعني بالضرورة وجود سلطة ونفوذ يتمتع بهما الرجل سيلقيان بظلالهما على توسيع دائرة تأثيره الفكري، فبدءا مما تتناقله الأحاديث عنه وأثبتته بعض المراجع، بأن كثيرا من الناس كانوا "يصلون في الأودية، ولا يذهبون للمساجد، وعندما تولى القضاء منع ذلك، وأمر الناس بالصلاة في المساجد فقط، ونشر العساكر في الأودية يراقبون المتخاذلين عن المشي للمساجد، ليخبروه عنهم فيستدعيهم ويأمرهم بالصلاة في المساجد بدل الأودية، فضجت المساجد بالمصلين، وعمرت بهم"[24] لنقف على حقيقة القرار السياسي المشفوع بجانبه الديني، فهو لا يحرم الصلاة في غير المساجد، ولم يكن ينشد تقديم فتوى من وراء ذلك، ولكنه قرار سياسي استجاب له الجميع بعدما أعد له عدته؛ لأنه لم يكن يقصد تحري الحرام وإحلال الحلال، بقدر ما ينشد جمع الناس في بيوت الله، دون إغفال المكانة السياسية والاجتماعية والثقافية التي حظيت بها المساجد، فلم تكن طوال تاريخها مجرد دور عبادة، بل هي أندية وملتقيات تجمع الناس وتوحد كلمتهم، فأراد أن يضمن لنفسه برلمانا يلم الناس لتصبح الكلمة أمضى والأمر أعم لما فيه صالح البلاد والعباد.
وكذلك عندما نتفكر في حقيقة تركه لمنصب القضاء بعد اغتيال كاتبه وساعده الأيمن الشيخ عيسى بن ثاني البكري، فنقف على حقيقة أن هذه (الاستقالة) ليست من قبيل التأثر لفقد رجل مقرب وحسب، بل هي رسالة وموقف يسجله كما يحدث في عالم السياسة، وجواب على فعل الاغتيال الذي كان يروم إيصال رسالة إلى أبي عبيد ذاته، فالرسالة وصلت وكفى الله المؤمنين القتال، ككل السياسيين الذين يقدرون المواقف فيتخلون عن مواقعهم درءا لما هو أشد وأنكى.
وفي موقف آخر نأخذ - أيضا - أبياته المتقدمة، التي يصف فيها حال بني الإسلام:
أسفت على بنــــي الإســـــلام لما تأخر شـــــوطهم وهــم الهــــــداة
غدوا أيــدي سبا بين البـــــــــرايا تصيدهم الجـــــــــــوارح والبُزاة
إذا نام المـــــراقب والمحامـــــــي تلحمت الســــــباع الضـــــاريات[25]
ليسطر أبو عبيد رأيا وموقفا مما يحصل لبني الإسلام اليوم قاطبة من تأخر على الأصعدة كافة، رغم كونهم هداة مهتدين – أو على افتراض أنهم كذلك – متحررا من النظرة الجغرافية الضيقة التي لا يشكو بأسها، لأن نظرته تتجاوز القطر العماني لينظر في حال الأمة قاطبة، التي تسببت الانتكاسة السياسية في التأخر العام الذي يضرب أطنابه على الجميع.
خامسا: فكره الصوفي
عرفنا أبي عبيد رجل دين عالما، يضاف إلى ذلك أنه صوفي من الطراز الرفيع، فبدءا من اختلائه للعبادة في مسجد (وقيف بلعق)[26]، انتهاء بكراماته التي تذكر بعض المراجع شذرات منها.
أما على الصعيد الأدبي، فقد ترك أبو عبيد جملة من القصائد الوعظية التي يرقى بعضها إلى الشعر السلوكي، فيقول مثلا في وداع شهر رمضان:
أيـــــا آكــــــل الشـــــهر ما تســتحِ وربك فوقــــــك منه اســـــــتح
وخف بطش مـــــــــولاك منه انتح أيا شهــــــــر منا عليك الوداع
أيــــا آكــــــل الشــــــهر أين المفر من الله كــــــــــــلا إذا لا وزر
جهنــــم مثــــــــــوى لمن قد أصر أيـــــــــا شهر منا عليك الوادع
أيا آكل الشـــــــــــهر ما ترعــوي أطعت المريــــــدَ اللعين الغويْ
فأغواك نهج الصـــــــراط السوي أيا شهــــــــــر منا عليك الوادع
فمن ذا يطيـــــــــــــق لنار الوقود طعامــــــــا شرابا صديد الجلود
أفـــــــق ويك قبل دخــول الخلود أيا شــــــــــهر منا عليك الوداع
إلهي بجــــــــــــــاه النبي الكريـم محمـد المصطفــــــــى المستقيم
شفيع البرايا ليــــــــــوم عظيــــم أيا شهر منــــــــــا عليك الوادع
فرغم الخطابية المباشرة لهذه الأبيات، إلا أنها محملة بجانب وجداني مميز، ولعل أرق أبياته الوجدانية هي تلك التي يقول فيها:
ما هاجني بارق الزوراء والدمن ولا طلول عفاها ســـــالف الزمن
ولا جآذر وحش زانها حــــــــور ولا كواعب غنج حيرت ذِهَنــــي
ولا كنـــــــوز إذا ما رمت أنفقها أحيل ما بيننا والدهر ذو شـــــجن
ولا ملوك لهم ملك وســـــــــابقة شادوا الحصون وحلو عالي القنـن
لكن أناس بتقوى الله قد شُغـــــلوا حبي لهم لازم في الســــر والعلن[27]
فهذه الأبيات الطافحة بالوجد، ينأى بها أبو عبيد أن تكون موجهة لذكرى الطلول وبهاء الملك أو غنج الكواعب، لأن قلب الشاعر مشغول دائما وأبدا بحب من ارتقوا بتقواهم لله، فهم وحدهم الذين يستحقون حبه سرا وعلنا، لأن حبهم خالص لمن أخلص له أبو عبيد حبه.
وكحال العاشقين في حال وجدهم وهيامهم، تعترض أبا عبيد عوارض الغرام، التي تستجيب لها نفسه ومدامعه، فيبذل - متجاوبا مع نداء روحه ووجدانه - مدامعه التي تترجم حالة من الهوى العلوي، فيقول في وصف تأثير البرق:
وميض البرق هيج لي غرامـــي وهيّــــــــــج كل قلب مســــــــتهام
وذكرني ربــــــــــــوعَ الحي لما تقـــــــــــادم عهدها عاما لعــــــام
وأحسن من حياة المرء مــــــوت متى لم يشجه صدح الحمـــــــــــام
ومن كتم الهوى أضنـــــــاه حتى يقاسى عنــــــــــده غصص الحمام
وأنّى لي بكتمانٍ وســـــــــــــري على جفني ودمعـــــــي في انسجام
وما شأني بعـــــــــــذرى ثم لبنى ولا ليلــــــــــــى وعاشقها ابن عام
ولا طلل يلوح ولا رســــــــــــومٌ عفت آثــــــــــــــــــــارها إلا أسام
ولكن من بني الدنيـــــــــــــا مقال كأنَّ عليه إطــــــــــراقَ الســــهام
جراحات الســــــــــــنان لها التئام ولا يلتــــــام لي جرحُ الكـــــــلام[28]
وبعد، فهذه قراءة حاولت أن تقترب من معين الشيخ أبي عبيد الفكري، الواسع في جوانبه، وهي جوانب لا ينفصل أحدها عن الآخر، ولا يستقل فيها جزء عن غيره، إلا أن دواعي القراءة تستدعي فصلا لا تستقيم معه كليَّة المنظومة التي حكمت نشاط أبي عبيد المتنوع الاتجاهات المحدد الهدف، وقد قال أحد المفكرين العرب: "إن الفكر عربة الحياة، بدونه يبقى الزمان قطعة ثلج والمكان صندوقا مظلما".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مقدمة لندوة "قراءات في فكر العلامة الشيخ حمد بن عبيد السليمي" 2 – 3/ أبريل 2012م - سمائل
[2] ابن منظور: لسان العرب، بيروت، دار صادر، د.ت، مج 5، مادة فكر، ص65
[3] كان يقوم بدور الوالي على سمائل في عهد الإمامين سالم بن راشد الخروصي ومحمد بن عبدالله الخليلي.
[4] مما يجدر ذكره بأن هذه الورقة ليست معنية بالحديث عن مصادر فكر الشيخ أبي عبيد، سواء الديني أو غيره من ضروب التفكير التي وسمته عالما مفكرا، فقد بدا أن ذلك حقه في سياق حديث يتناول شخصيته وتربيته وتعليمه، وقد كان في ورقة استقلت بذلك في سياق هذه الندوة.
[5] أبي عبيد: بهجة الجنان في وصف الجنان، تحقيق انتصار السليمي، مسقط، وزارة التراث والثقافة، 2006م، ص27 - 28
[6] أبي عبيد: قلائد المرجان، مسقط، وزارة التراث والثقافة، 1983م، ص23 - 24
[7] بهجة الجنان، مصدر سابق، ص27
[8] قلائد المرجان، ص8
[9] نفسه، ص18
[10] نفسه، ص21
[11] قلائد المرجان، ص26
[12] قلائد المرجان، ص8
[13] قلائد المرجان، ص28
[14] ولعلي أذكر هنا ما حكاه لي الدكتور محمود بن مبارك السليمي نقلا عن رواية الشيخ القاضي أبي سرور حميد بن عبدالله الجامعي – الذي كان تلميذا من تلامذة الشيخ أبي عبيد المقربين – أنه كان إذا سأله سائل، وهو في مجلسه بالجعفرية، عن مسألة من المسائل، كان يمرر السؤال على جمع الحاضرين – وفيهم العالم، والفقيه، والقاضي، والمزارع، والغني، والفقير، وطالب العلم، والرجل البسيط – فيأخذ الإجابة من الجميع على اختلاف مستوياتهم حتى يصل معهم في الختام إلى الإجابة الصحيحة، ليقدم لنا نهجا تربويا يهدف إلى إثارة الأذهان وعدم الارتكان إلى الإجابات الجاهزة.
[15] نقلا عن مقدمة المصدر السابق بتحقيق انتصار السليمي، ص23
[16] انظر المصدر نفسه، ص25
[17] راجع مقدمة المصدر نفسه.
[18] قلائد المرجان، ص33
[19] قلائد المرجان، ص34 - 35
[20] راجع محمد بن راشد بن عزيز الخصيبي: شقائق النعمان، مسقط، وزارة التراث والثقافة، 1984م، ج3، ص275
[21] راجع مخطوطة سلاسل الذهب، الجزء الأخير، ص100. عثرت على هذه المخطوطة في مكتبة الدكتور محمود بن مبارك السليمي.
[22] جبران مسعود: رائد الطلاب، بيروت، دار العلم للملايين، 1977م، ط2، ص527
[23] المرجع نفسه، ص527
[24] بهجة الجنان، ص27
[25] قلائد المرجان، ص34
[26] راجع مقدمة بهجة الجنان، ص29
[27] قلائد المرجان، ص232
[28] قلائد المرجان، ص202
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق