زِينة
منى بنت حبراس السليمية
وحدها "زِينة" كانت تجذبني من بين بنات القرية التي كنت آوي إليها طفلةً نهاية كل أسبوع. يسحرني جمالها المختلف عن السائد بين أترابها. عيناها خضراوان، وبشرتها بيضاء صافية لا تشكو كدرا ولا تطفل بثور. عيناي لا تتورعان عن تتبعها ومراقبتها مع كل حركة وسكنة إلى أن تلتهمها السكة المتربة صعودا إلى بيتها في آخرها.
لم أندهش عندما عرفت تاليا أن أصلها ليس من هذه القرية، وإنما جاءت إليها قبل سنوات قليلة فقط بعدما تزوجت أحد القرويين هنا. كنت مأخوذة بابتسامتها الدائمة، وحديثها الذي اكتسب سريعا لهجة هذا المكان، قبل أن تصعقني مفاجأة أن من تزوجته اسمه "خَلَف"!
عجزت عن تخيل هذا الجمال بين يدي خَلَف! أنا لا أعرف خَلَف، ولكن اسمه يستحضر في ذهني رجلا عجوزا بلحية طويلة ونظارة سوداء على عينيه الكليلتين. يتقافز جسده النحيل مع كل خطوة يخطوها بعصاه.
أصبحت توجعني زِينة. ويوجعني جمالها الذي يأوي إلى بيت خَلَف قبل نهاية كل نهار، رغم أن ابتسامتها لا تعبر قط عن مبررات حسرتي.
لا يمكن لخَلَف هذا إلا أن يكون عجوزا، كـ خلف الذي اقترن اسمه بكلمة (الشايب) في مسلسل رفض الوعي الجمعي أن يحفظ اسمه الحقيقي (مسافر خانة)، وبقي الشايب خَلَف وحده شاهدا على تلك المرحلة من تطور الدراما العمانية البطيء.
ولست أظن سعادة تشبه سعادتي عندما قُدّر لي أن أرى خَلَف صدفة - بعد سنوات - على السكة المتربة نفسها، سالكا طريقا أضيق على يمينه يفضي إلى مجلس ملحق بمسجد قديم، لأكتشفت أن لا علاقة تجمع بينه وبين خَلَف (في رأسي) أكثر من اسم ظلمه، فلم يكن خَلَف زوج زِينة أقل جمالا ووسامة. أأحمد الله أم أحسد زِينة على خَلَفِها؟!
لم أفرح لـ زِينة بـ خَلَف، ولا لـ خَلَف بـ زِينة، ولكني فرحت لأن في هذه الدنيا كثيرا من العدالة القدرية كهذه التي جمعت بين زِينة وخَلَف، وأظن أنني برؤية (خَلَفِ زِينة) انتقمت لسنوات من الحسرة الموهومة بسبب اسم لم ينصف صاحبه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق