سنة أولى فلسفة ج 2 – 2006
منى بنت حبراس السليمية
فلسفة التربية:
يرى "إم. هام. كورنيل" أن مصطلح فلسفة التربية يعد مصطلحا جديدا نسبيا على مسرح المقررات العلمية {الأكاديمية} في كليات ومعاهد المعلمين، إذ لم يعرف إلا منذ العقود القليلة الماضية {أواخر السبعينيات والثمانينيات} حيث صارت فلسفة التربية مقبولة ومستعملة باعتبارها فرعا متخصصا من الفلسفة العامة، وبدأ هذا تحديدا في بريطانيا، وكان المنهج المتبع في هذا التخصص مزيجا من الأدوات البحثية المتبعة في التحليل الفلسفي الحديث، الأمر الذي أدى إلى التوصل إلى أفكار دقيقة، ومعان واضحة، كما أن الاهتمام التقليدي الشديد باستقصاء الحقائق وفحصها، وتبرير القيم أنتج حججا وأسانيد وحيثيات أفضل من ذي قبل، أفادت صانع القرار ومتخذه في المجال التطبيقي للتربية، بينما يرى {دافيد ستنهاوس} أن فلسفة التربية مصطلح دخل على استحياء في كليات التربية ومعاهد المعلمين منذ 1960، وجاء بعد ظهور فلسفة العلم قبل ذلك بعقد من الزمان أي في 1950م.[1]
وقبل التعليق على الكلام السابق، لا أجد بدا من إيراد رأي الدكتور سعيد إسماعيل علي في هذا الموضوع: "قد لا أتفق مع من روى عنهم أخي د. عبد الراضي من أن مصطلح فلسفة التربية لم يظهر إلا منذ عقود قليلة إلى الستينيات، فكتاب ديوي الشهير {الديمقراطية والتربية} وهو في فلسفة التربية صراحة منذ أواخر القرن التاسع عشر"[2].
وبالنسبة لي صاحبة هذه الدراسة، قد أتفق جزئيا مع الدكتور سعيد إسماعيل علي، في أن مصطلح الفلسفة ليس وليد العقود القليلة الماضية، ولكني أذهب منه بعيدا في قدم هذا المفهوم، فقد لا يبتعد قصد الدكتور سعيد إسماعيل عن مجرد ظهور فلسفة التربية كونها مصطلحا، فتلك قضية أخرى لن أخوض فيها، ولكن ما يعنيني هو فلسفة التربية المفهوم: فإذا كنا نؤمن كما عرف الدكتور نفسه – سعيد إسماعيل علي – الفلسفة بأنها الخريطة الفكرية للمجتمع، وعليه فإن لكل تخطيط وعملية فكرية لابد لها من هذه الخريطة الفكرية، فإني أستطيع القول باطمئنان بأن فلسفة التربية وجدت متى ما وجدت العمليات التربوية والتعليمية باختلاف أشكالها في القديم والحديث، ولكن الاختلاف يكمن في أساليبها وإمكانياتها وتبعا للفلسفة المتبعة فيها.
ولأن التربية كما تردد دائما في كتابات الدكتور عبد الراضي[3]"عملية تنفيذية" احتاجت دائما إلى "تصميم" مثل هذا الذي يقوم به المهندسون، فهذا التصميم هو "خريطة" للمنشأة تحدد لمن سوف يقوم بالتنفيذ: المواصفات الأساسية، والخطوات الواجبة، والمواد اللازمة، والمدة الزمنية الضرورية، أي أن التربية أشد ما تكون حاجة إلى الفلسفة بصفة خاصة.
وأضيف إلى الدكتور عبد الراضي أن كل مجال علمي هو بأشد الحاجة إلى الفلسفة، وليست التربية بدعا من العلوم أو المجالات؛ لأن الفلسفة عندما كانت – ومازالت – تمثل الخريطة الفكرية العامة، أو الرؤية الفكرية العامة، فهي إذن تمثل الخطوة الأولى لأي مجتمع من المجتمعات في مسيرته الحياتية، فإن لم توجد الأرض فأين يمشي الناس؟
ففلسفة التربية إذن: هي تطبيق الطريقة الفلسفية في التفكير على قضايا ومفاهيم ومشكلات التربية والتعليم، بما تقوم عليه من درس وبحث عن الأسباب الكلية والغايات العامة والنظرة الشاملة، والرؤية الشبكية للعناصر والجزئيات، والنزعة النقدية، والتناول التحليلي للمفاهيم.[4]
تقول الدكتورة نازلي صالح أحمد: "طريقة الإنسان في الحياة هي فلسفته المبنية على عقيدة وهدف، والتربية والفلسفة مظهران لشيء واحد، فالتربية تعتبر الجانب الديناميكي الفعال للعقيدة الفلسفية، فالفلسفة تقرر النظريات والتربية تحقق تطبيقات هذه النظريات، ولذلك فإن التربية تجد نفسها دائما مضطرة لتطوير نفسها فور ظهور فلاسفة جدد أو نظريات فلسفية جديدة"[5]
لا نختلف في أن الفلسفة هي طريقة الإنسان في الحياة، ولكن لابد من التأكيد على أن الدكتورة عندما قصدت بوجهي الشيء الواحد وهما الفلسفة والتربية، تنطلق من كون الفلسفة هنا متلازمة مع التربية، أعني فلسفة التربية دون سواها، أو هي الفلسفة عندما تبحث في القضايا التربوية، {فلسفة العلم}، وليست تلك الفلسفة العامة، فكان حريا أن تعرف فلسفة التربوية بأنها البحث الفلسفي في قضايا التربية، لا أن تجمع الفلسفة كونها كيانا فكريا مستقلا عن أي علم – إلا فيما بعد – مع التربية؛ لأننا بالطريقة التي تذكرها الدكتورة نقدم تعريفا لكل فلسفة علم، ففلسفة التاريخ أيضا وجهان لشيء واحد، وكذلك فلسفة الكيمياء وغيره من العلوم، فلم نقدم إذن تعريفا لفلسفة التربية، بهذا الجمع العائم العام. وسيطالعنا في غير موضع هذا الجمع، وأجد نفسي مضطرة لإيراده في كل مرة مع تفنيده ما وسع الجهد بإذن الله:
ويبدو أن هذا الجمع بين الفلسفة والتربية على عمومهما قد امتد عند الدكتورة نازلي ليصبح جمعا بين العلم والفلسفة، فنقرأها تقول: "يمكن أن نعتبر الفلسفة هي العلم الذي يفسر ويتغلغل في الظواهر المختلفة المحيطة بنا، ويتعامل معها سواء كانت ظواهر مادية أو طبيعية ويعلل هذه الظواهر ووجودها، وهو بذلك علم قديم قدم الحياة؛ لأن الظواهر وجدت مذ وجد الإنسان، ثم تطورت نشأة الإنسان، وبكثرة خبراته تطور التفكير في الحياة، والتعرف على الكثير من أسرارها عن طريق الفلسفة التي هي العلم الذي يتعرض لهذا التفسير"[6]
فالتفريق السابق في هذه الدراسة يوضح حقيقة الخلط بين العلم والفلسفة عند الدكتورة نازلي، ومع ذلك أجد أن قضيتها التي تناقشها هنا ليست قضية تفريق أو تقريب بين مجالين من مجالات المعرفة، ولكنها إنما أرادت أن توضح دور الفلسفة في كشف الحقائق المبثوثة في طيات الظواهر المحيطة بنا في الكون.
ولعل أبرز من جمع بين الفلسفة والتربية وعدهما وجهين لشيء واحد هو كيث، ويفند الدكتور عبد الراضي هذا التوجه[7] بأنه يحاول جاهدا أن يربط بين كيانين معرفيين منفصلين عن بعضهما البعض "التربية" و"الفلسفة" وظل هذا الاتجاه سائدا إلى وقت قريب، ولكن المشكلة فيه أنك إذا أمعنت النظر تجد أن هناك مجموعة من المقولات المتعلقة بقيم مختلفة، وإجراءات متباينة من المحتمل أن يتبناها المرء وغايات يرى أنها ذات أهمية، وكذلك مواقف معينة سيعارضها.
ويبدو أن كيث متأثر بمقولة "ديوي" في هذا السياق ومؤداها أن الفلسفة والتربية وجهان لعملة واحدة، حيث أراد "ديوي" أن يزيل الانفصال الذي كان موجودا بين الفلسفة والتربية، بل إنه اعتبر الفلسفة هي نظرية التربية.[8]
ولا يخفى على الدارس العادي كيف أن ديوي قد أغرق في الخلط بينهما، أو دمجهما على أحسن الأحوال، والسبب في ذلك ما أثر عن جون ديوي من أن فلسفة التربية ليست أفكارا جيدة أتي بها للتنفيذ في نظام التربية والتعليم من خارجه، وإنما هي في أساسها تمثل نظرية للتربية، وقد نظر ديوي بهذا القول إلى الفلسفة والتربية على أنهما متكاملان، لأن كلا منهما أو كليهما يتجهان نحو حل المشكلات الحياتية التي تواجه الإنسان، وكلاهما يتعاملان مع مشكلة القيم: الخير والشر، وأيهما المرغوب فيه عند الإنسان، وأيهما يتربى عليه، وأيهما المرغوب عنه، فيبتعد عنه، وخلاصة الأمر أن ديوي جعل من الفلسفة نظرية عامة للتربية وجعل منهما وجهين لعملة واحدة.[9]
وما أجده قد فات الدكتور عبد الراضي في تفنيده إلى ملاحظة أن تعبير "وجهان لعملة واحدة" فيه من الدلالة على تساوي الأهمية، والتزامن في آن معا، وهذا لا يستقيم مع فهمنا لكل من التربية والفلسفة، فالفلسفة هي الأرضية التي يسير عليها كل تخطيط منظم، فهي أم العلوم كما كانت تسمى سابقا ولكلٍّ أهميته، ولكن الفلسفة من هذه الناحية، تشكل الأرضية والأساس ولولاها لما قامت العمليات التربوية المنظمة والممنهجة، أما التزامن، فبدون شك أن الفلسفة سابقة على التربية، إذ كيف نفكر في رياضة المشي، ولا يكون هنالك مكان ومساحة واستراتيجية معينة لممارستها مثلا؟!
أما القول بأن الفلسفة والتربية وجهان لعملة واحدة على اعتبار أنهما يهتمان بالإنسان وأنه قضيتهما الأولى والأخيرة، فهذا أمر ينطبق على الفلسفة وغيرها من العلوم الإنسانية، وليس حكرا على التربية وحدها، فهل نحن بصدد تقديم تعريف عام لجميع العلوم الإنسانية من حيث لا ندري؟!
ويميز مور بين مستويين في العلاقة بين الفلسفة وفلسفة التربية، فهو يرى أن فلسفة التربية ترتبط بالفلسفة العامة ارتباطا على المستوى الجزئي من حيث أهداف الأولى،[10] أي أن فلسفة التربية لها أهداف محددة ترتبط جزئيا بالفلسفة العامة، ولكنها ترتبط ارتباطا وثيقا أكثر بمنهجها وطرق البحث فيها، ولا يتضح ذلك إلا إذا نظرنا في ماهية الفلسفة باعتبارها عملا فكريا[11].
أهمية فلسفة التربية: وتتلخص أهمية فلسفة التربية في النقاط الآتية:
1. تساعدنا في التعرف على المفاهيم والنظريات والاتجاهات المنظمة التي تقوم عليها المؤسسة التربوية، من خلال قيامها بالأنشطة والفعاليات التي تقوم بها المؤسسة التربوية، وتساعدنا على فهم النظام التعليمي، وأهدافه وأساليبه وطرقه والاتجاه الذي يتبناه ما إذا كان تسلطيا كما في الفلسفات القديمة التي كانت تعتمد على المادة العلمية والمعلم، أو ما إذا كان ديمقراطيا كما كانت تتبناه الفلسفات الحديثة المتقدمة.
2. تمد الإنسان بوسائل وأساليب مختلفة تساعده على التخلص من المتناقضات والصراعات القائمة ما بين النظرية والتطبيق عن طريق المناقشات وعلى أساس من النقد البناء.
3. تساعد على فهم العملية التربوية وتعديلها وتشخيص المفاهيم الخاطئة عن طريق أفضل الطرق وأعمقها.
4. تنمي قدرة الإنسان عن طريق إثارة الأسئلة والحوار والمناقشة، مما يساعد على تحقيق أهداف العملية التربوية.
5. تساعد على مناقشة الفروض والمسلمات التي يقوم عليها العمل التربوي المتمثل في المنهج التعليمي، وأساليبه، وعلاقته بالقوى الاجتماعية.
6. طرح استراتيجيات ومعالم جديدة في سبيل تطوير النظام التربوي بحيث تجمع بين أصالة المجتمع وحضارته ومعاصرته لروح العصر.
7. توضيح المعاني التي تنطوي عليها المفاهيم التربوية من أجل توحيد الآراء والفهم المشترك.
8. يساعد على اقتراح خطوط جديدة للنمو التربوي، وإدراك علاقات من أجل تحقيق العملية التربوية.
9. إن وضع الأسس الفلسفية التي تقوم عليها المؤسسة التربوية تمكن التربويين من صياغة أهداف تربوية مأخوذة من فلسفة المجتمع تحقق آماله وطموحاته.
أما أهمية دراسة فلسفة التربية، فهي كما يعددها حسان محمد حسان[12]:
1. فهم النظام التعليمي عن طريق معرفة مفاهيمه.
2. تشخيص بعض المفاهيم الخاطئة.
3. التدريب على التحليل والتركيب.
4. إدراك علاقات جديدة.
5. مواجهة بعض مشكلات الصراع القيمي.
6. تطوير العملية التعليمية.
فهي إذن نقاط تلتقي مع أهمية فلسفة التربية بشكل عام.
ويطرح الدكتور عبد الراضي سؤالا: كيف نجعل من المعلمين فلاسفة تربية؟ فيجيب عن هذا السؤال وفق اثنين من الفلاسفة التحليليين، بأن السبيل إلى ذلك طريقان: التلقين والممارسة، وقبل كل شيء الانغماس في الفلسفة كتابة وقراءة[13].
التيارات الفلسفية: طبيعتها ومبادئها ونظرتها
1. طبيعتها:
· المثالية: دراسة للأهداف الأخلاقية السامية والواقع المطلق وطبيعته، وتشمل أحيانا كافة الآراء التي تجعل أساس الكون روحيا في نهاية الأمر، ولكنها لا تنكر العالم المادي ولا الموضوعات التي يتوصل إليها العلم الطبيعي بالحواس، وترى أن هذه الأشياء الواقعية وراءها شيء روحي مجهول[14]. وتقوم الفلسفة المثالية على تمجيد العقل.
· الواقعية: انطلقت مبادئ هذه الفلسفة من المادة وهي عكس النظرية المثالية، فالمادة في ضوء تعليمات هذه الفلسفة ليست مجرد فكرة توجد في عقل الفرد المراقب لها، بل هي قائمة بذاتها مستقلة عن العقل[15]. ومن أنواعها، الواقعية اللفظية والاجتماعية، والحسية، والعلمية، والكاثوليكية، والكلاسيكية.
· البراجماتية: الذرائعية {الوسيلية، الأدائية}، البراجماتية مشتقة من الكلمة اليونانية وتعني العمل، ومنهم من أطلق عليها اسم الفلسفة العملية، حيث تدعو إلى العمل والبحث، وأن الطبيعة الإنسانية مرنة ووظيفية، وتعد الفلسفة البراجماتية ثورة على بقية الفلسفات الأخرى ومبادئها التي تؤمن بالأمور النظرية والتأملات العقلية في الوصول إلى الحقائق الأولية أو الوجودية، وترى الفلسفة البراجماتية أن كل شيء يجب أن يخضع للتجربة والبرهان لكي يعتمد على صحته[16].
· الإسلامية: هي فلسفة متكاملة وشاملة لجميع نواحي الحياة، ومن خصائصها أنها فلسفة دينية نشأت في قلب الإسلام، وتعول على الروح، وعقلية لأنها تعتمد على العقل في تفسير الألوهية، والحياة والكون، وهي وثيقة الصلة بالعلم.
2. المؤسس:
· المثالية: يرجع بعض المؤرخين تاريخ الفلسفة المثالية إلى عهد الإغريق، وبالذات إلى سقراط وأفلاطون، وقد ارتبط اسم المدرسة المثالية بأفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد الذي قام بتدوينها، الذي اعتقد بوجود عالمين في الكون: العالم الحقيقي أو المثالي {أفكارنا} والعالم الواقعي، وقد أسهم آخرون بتطويرها وإعادة قولبتها، أمثال: "بيركلي" و"كانت" و"هيربرت"،[17]
· الواقعية: يرتبط اسم الفلسفة الواقعية باسم أرسطو تلميذ أفلاطون، ومن روادها: فرنسيس بيكون، وجون لوك، وديفيد هيوم، وجون ميل عند الإنجليز.
· البراجماتية: تعود جذورها إلى الفيلسوف اليوناني هيراقليطس، وقد آمن هذا الفيلسوف بفكرة التغير المستمر، وعدم ثبوت الحقائق، كما تعود أيضا إلى كونتليان المدرس والخطيب الروماني الشهير، كما يرتبط اسم هذه الفلسفة باسم الفيلسوف الأمريكي جون ديوي.
· الإسلامية: من أهم روادها: الفارابي، وابن رشد، والكندي، والغزالي، وابن سينا.
2. بلد المنشأ، وهنا لابد من التأكيد على أنه عندما نقول أن بلد المنشأ لفلسفة ما هو كذا، لا يعني ذلك أن هذه الفلسفة حكرا على هذا البلد فقط دون غيره، أو أن فلاسفة من بلدان أخرى لا يمكن أن ينسبوا إلى هذه الفلسفة أو تلك: فهذا ابن سينا يعد من الفلاسفة الواقعيين:
· المثالية: ألمانيا: كانت وهيجل، فرنسا: ديكارت.
· الواقعية: إنجلترا.
· البراجماتية: ارتبطت البراجماتية في العصر الحديث في تطورها بأمريكا في القرن التاسع عشر على يد ثلاثة من زعمائها: تشارلز بيرس، ووليم جيمس، وجون ديوي وهو صاحب مبدأ التعلم بالعمل. ولعل السبب في أن أمريكا هي بلد المنشأ للبراجماتية هو ما توفر لها من أجواء الحرية والانفتاح اللذين لم يتوفرا لغيرها من بقاع العالم، التي تحكمها القوانين والأنظمة الدينية وتدخل الكنيسة في أوروبا.
· الإسلامية: المشرق وبلاد الإسلام. إلا أنها عالمية المقصد.
3. نظرتها إلى العالم/ الوجود:
· المثالية: العالم ذو طبيعة عقلية وروحية
· الواقعية: العالم ذو طبيعة مادية، وله وجود مستقل عن العقل.
· البراجماتية: العالم له وجود مستقل عن العقل، ويتميز بالتغير والنسبية.
· الإسلامية: هناك مبدع وخالق للكون، والكون كله في خدمة التوحيد.
4. نظرتها إلى المعرفة:
· المثالية: المعرفة في الفلسفة المثالية مطلقة ويقينية، ومنبعها العقل والروح.
· الواقعية: المعرفة مكتسبة عقلية، ونسبية تعتمد على العقل الحواس.
· البراجماتية: المعرفة متغيرة نسبية، تأتي بالتجربة، وقيمتها في كونها أداة لحل المشكلات.
· الإسلامية: هناك نوعان من المعرفة: المعرفة المطلقة، ومصدرها: {الوحي} والمعرفة المكتسبة، وتمثل كافة المعلومات والمعارف التي يستطيع أن يصل إليها الإنسان بقدراته الذاتية.
5. القيم:
· المثالية: مطلقة، وهي انعكاس للمثل والروح.
· الواقعية: متغيرة ونسبية مستمدة من الواقع، وتهدف لتحقيق منفعة البشر.
· البراجماتية: تتغير بتغير المجتمع، وتساعد على تحقيق المنفعة {القيمة في النتيجة}.
· الإسلامية: ثابتة ومطلقة في جوانب منها، وهي تلك التي أساسها الدين، ومتغيرة وهي تلك التي أساسها العادات والتقاليد، وتهدف القيم في الإسلام بشكل عام إلى تحقيق مصلحة البشر[18].
6. الإنسان:
· المثالية: تؤمن الفلسفة المثالية بثنائية {الجسم/ العقل أو الروح} في الإنسان.
· الواقعية: مزجت بين الجسم والعقل وبين الحواس والعقل كمصدرين للمعرفة.
· البراجماتية: وليد التطور البيولوجي والنفسي والاجتماعي، تؤمن بنظرية الدارونية، والسلوكية: مدرسة في علم النفس عاملت الإنسان كآلة مثيرة للاستجابات.
· الإسلامية: خليفة الله في الأرض، يعمل لدنياه وآخرته، يستمتع بخيرات الدنيا، محكوم بقواعد معينة.
7. دور المعلم[19]:
· المثالية: وسيط لنقل التراث العقلي، وهو محور العملية التعليمية.
· الواقعية: لابد أن تكون معرفة المعلم علمية وفنية، ينمي مهارات الإنسان المختلفة.
· البراجماتية: منظم للتعلم وميسر له، ودوره الإشراف دون تدخل مباشر في ميول الطلاب.
· الإسلامية: مثل أعلى وقدوة، وطريقته المناقشة والحوار والتوجيه الخلقي.
8. طرق التدريس:
· المثالية: إلقائية تلقينية
· الواقعية: التجربة والتعامل مع الواقع.
· البراجماتية: طريقة حل المشكلات، والتعلم بالعمل والنشاط.
· الإسلامية: تجمع بين كل الطرق في الفلسفات الثلاث، ويذكر كتاب دراسات في أصول التربية طرائق شتى للتدريس في التربية الإسلامية، وليس المجال يتسع لذكرها هنا[20]
9. المبادئ والأسس العامة:
· المثالية: جميع الأشياء الحقيقية تأتي من العقل. الإنسان أهم من الطبيعة/ لدى الإنسان الحرية في الاختيار بين الصواب والخطأ/ الحقائق الأولية موجودة في عالم المثل أو عالم السماء، وهي مطلقة يمكن إدراكها عن طريق التفكير فقط/ وجود الإنسان في هذه الحياة يرتكز تماما على العقل/ جوهر العالم هو العقل والروح/ الإنسان جزء من عالم روحاني يتفاعل معه حسب طاقاته/ الأفكار التي تنشأ حول الكون تنبع من داخل الإنسان وليست مستقلة عنه[21]/ العقل والروح من القوى الأساسية في هذا الكون، لذلك يجب التركيز عليهما/ المعلم هو المسئول عن إيجاد بيئة تعلم نشطة/ المعلم يعد المثل الأعلى بالنسبة للمتعلمين/ التركيز على النمو العقلي وإشباعه بالمعلومات التي تساعده على التفكير المنطقي/ يقوم المعلم بدور الموجه أو المساعد في إعطاء التوجيهات/ تبدأ العملية التربوية من رغبة المتعلم في التعلم/ تعد إثارة الحوافز في نفوس المتعلمين للتعلم من مهام المعلم الأساسية/ تساعد العملية التربوية الفرد على البحث عن الحقيقة والجمال والأشياء الجيدة/ الميراث الثقافي مهم جدا في العملية التربوية، ويجب التركيز عليه/ ضرورة تنمية شخصية المتعلم وتطويرها في المجالات المعرفية والخلقية والروحية كافة[22].
· الواقعية: إن العالم جزء من الطبيعة ويمكن التعرف إلى أسراره عن طريق الحواس والخبرات/ جميع الأشياء المادية التي تحدث في هذا العالم تعتمد على القوانين الطبيعية/ الإنسان يمكنه أن يصل إلى الحقيقة عن طريق الأسلوب العلمي/ لا يمكن فصل العقل عن الجسم، كما أنه لا توجد سيطرة لأحدهما على الآخر، ولكن هناك علاقة منسجمة بين الاثنين/ التغير في هذا الكون أمر حقيقي/ تتم معرفة العالم عن طريق العلم وليس عن طريق الفلسفة/ إن قيم الحق والخير والجمال تخضع لقوانين الطبيعة/ إن العالم موجود كما نراه ونحس به وليس كما نتخيله[23].
· البراجماتية: يتغير العالم باستمرار، فجوهره التغير وليس الثبات/ تعتمد صحة الفكرة أو الحقيقة على تجربتها واختبارها/ يتم الوقوف على المعنى الحقيقي للأشياء عن طريق التجربة/ يعد الوصول إلى حقيقة الكون وكيفية وجوده أمر بعيد المنال/ يعد التعرف إلى حقيقة الذات الإلهية أمرا من المحال تحقيقه/ تأخذ بمعيار المنفعة[24]/ التأكيد على أن العالم أساسه الكثرة لا الوحدة، ومن ثم القول بأن العالم ليس مكونا بالفعل ولكنه في طور التكوين، وأنه ناقص ومرن وبحاجة إلى جهد الإنسان[25].
· الإسلامية: التعامل مع الذات الإنسانية على أساس أنها وحدة واحدة دون التركيز على جانب الروح أو الجسم/ الإيمان بالغيب كما جاء من عند الله سبحانه وتعالى دون محاولة التحذلق في مكنوناته، لأن علمه خارج عن قدرات الإنسان، وخص الحق سبحانه وتعالى علم الغيب بذاته/ عدم إقحام العقل الإنساني في القضايا التي لا يقوى عليها، ويجب استخدامه إلى أقصى الغايات في الأمور التي تقع ضمن قدراته وطوق وسائله، لأنه مقيد وطاقاته متناهية/ إثارة الدوافع وتشكيل الحوافز عند أبناء المجتمع على طلب العلم بالإقناع فقط لتشكيل الاندفاع الذاتي عندهم نحو التعلم/ تكافؤ الفرص أمام أفراد المجتمع المسلم في كافة الأمور المتعلقة بالعملية التربوية وعلى امتداد مراحلها/ السعي نحو العلم الواجب على كل مسلم قادر على القيام به، ويجب على الدولة بذل كافة الجهود لتوفير المؤسسات العلمية لأبناء المجتمع[26].
10. هدف التربية:
· المثالية: يعتقد أفلاطون أن الهدف الأسمى من التربية هو خدمة مصالح الدولة، وتحقيقها عن طريق الجهود التربوية المبذولة من أبناء المجتمع، لذلك فإنه ينادي بفكرة سيطرة الدولة التامة على العملية التربوية[27]
· الواقعية: التربية من أجل الحياة ويجب أن يكون لها أهداف نبيلة/ تنظم العملية التربوية وفق قوانين وأنظمة علمية ولا يجوز أن تكون عرضة لتخطيط المعلم وتنظيمه/ تعد التربية بحد ذاتها هدفا/ يتم التركيز على البحث والأسلوب العلميين/ تسيطر الدولة على جميع مجريات العملية التربوية/ يعد أبناء المجتمع للدفاع عن الدولة وكيانها/ تركز على تنمية قدرة الفرد وتطويرها على التحليل وإعطاء الأسباب والمبررات/ تتم عملية القياس والتقويم على أسس علمية ثابتة[28].
· البراجماتية: التربية في الفلسفة البراجماتية هي الحياة وليست الإعداد للحياة/ أن يبنى التعليم على أساس مراعاة الميول والفروق الفردية والرغبات الخاصة بالطفل/ أن تجعل من المعلم منظم للعملية التربوية وليس محورها/ أن تعتمد طريقة حل المشكلات/ تسعى إلى ديمقراطية التربية والتعليم/ تسعى إلى تحقيق التعاون بين المتعلمين، وليس الاعتماد على التنافس/ تسعى إلى التعلم من خلال العمل.
· الإسلامية: تعليم الأفراد وتفجير طاقاتهم الكامنة حسب قدراتهم الذاتية التي وهبها الحق سبحانه وتعالى بقدر للأفراد/ الرقابة الذاتية هي التي تضبط أعمال الأفراد وأنماطهم السلوكية الفردية والجماعية وتأتي الرقابة الخارجية في المرتبة الثانية/ طلب العلم النافع الذي يعود بالخير على الإنسان في ضوء تعليمات الفكر الإسلامي/ تلبية ميول الأفراد ورغباتهم في انتقاء المجالات التخصصية التي يريدونها بما ينسجم مع قدراتهم/ تحقيق الغاية الوجودية التي خلق الإنسان من أجلها، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى/ إتباع الإنسان للخير الذي مصدره في ذاته أو في وجوده، الوصول بالإنسان إلى أعلى مرتبة في هذا الوجود بين سائر المخلوقات/ إرساء قواعد العدل والمساواة بين الناس في مختلف قضاياهم الحياتية/ تحرير العقل الإنساني من الخرافات والأساطير كافة التي تدور حول الكون بنوعيه: الشهادة والغيب/ تحرير العقل الإنساني من ضغوط الشهوات والمحافظة على مكانته القيادية في ذات الإنسان/ بث روح التعاون والإخاء بين الناس ونبذ كافة الأنماط السلوكية والاعتقادية التي تؤدي إلى الاستكبار والاستعلاء، والتفوق المعرفي والعنصري/ تأهيل الأفراد وتأهيلهم بما يتناسب مع قدراتهم ومع ظروف العصر الذي يعيشونه في ضوء معتقداتهم وأفكارهم الإسلامية[29].
11. المناهج التربوية:
· المثالية: مواد علم النفس، والأخلاق والمنطق والرياضيات، والعلوم الإنسانية/ سعي المناهج إلى تحقيق الأهداف التربوية عن طريق المحتوى المعد بصورة جيدة/ تصميم المناهج لتحقيق الإبداع وزيادة النمو الفكري والأمور الجيدة/ اختيار الخبرات والنشاطات والظروف الحياتية والدراسات التي تساعد على تنشئة الإنسان والمجتمع المثاليين/ اختيار الأفكار الجيدة الموجودة في فروع المعرفة كافة وعرضها على المتعلمين بصورة جيدة/ النمو الشخصي للمتعلم من خلال النشاط الذاتي وحرية الاختيار بين الأمور وتحمل المسئولية/ احتواء المناهج على الإرث الثقافي بعد فحصه، وتدقيقه خصوصا الموسيقا والفن والأخلاق/ المعلم هو المسئول الأول عن اختيار المناهج لكونه المطلع على الأهداف التربوية المرجو تحقيقها/ دور المتعلمين في تخطيط المناهج وتصميمها محدود للغاية بل لا يكاد يذكر[30].
· الواقعية: توفير مناهج بطريق بطريقة منظمة تتميز بالحيوية، تؤدي إلى نقل المعرفة واستيعابها، وخاصة تلك المتعلقة بالحقائق والمبادئ العلمية/ احتواء المناهج التربوية على أفضل ما درس في السابق إضافة إلى أحدث ما توصل إليه الإنسان عن طريق نتائج البحث العلمي/ مراعاة المناهج التربوية الاهتمامات الطبيعية للمتعلمين بشأن اللعب والحركة/ احتواء المناهج على النشاطات التي تعلم الفرد المحافظة على النفس، ورعايتها لمقاومة الظروف الحياتية المختلفة/ تصميم المناهج التربوية على أسس وقواعد تراعى فيها المعلومات التي يحتاج إليها المتعلم من أجل الوصول إلى الحقيقة/ احتواء المناهج التربوية على الحقائق الثابتة التي يمكن قياسها واختبارها من حيث منطقية تركيبها وتسلسلها/ تصميم المناهج التربوية حسب خصائص المراحل العمرية المختلفة للمتعلمين ومتطلباتها[31]
· البراجماتية: تحتوي المناهج التربوية على المعرفة التي تم التأكد من حقيقتها عم طريق التجربة/ تشجع المناهج التربوية المتعلمين على تقبل القوانين الطبيعية والتعميمات العلمية/ تحتوي المناهج فقط على المعلومات والخبرات التي لها علاقة مباشرة بحياة الإنسان الحاضرة/ تركز المناهج على المشاركة العملية للطلبة واستخدام المختبرات والمكتبات بشكل واسع/ يشترك الطلاب في عملية تصميم البرامج التربوية ونشاطاتها المتعددة/ تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين/ تراعي قدرات المتعلمين وميولهم ومواهبهم/ يحرص عند تصميم المناهج على مرونة المنهاج وإشراك الطلبة في تخطيطه وتعديله[32].
· الإسلامية: صياغة محتوى جميع المناهج الدراسية بما يتناسب مع الفكر التربوي الإسلامي/ سعي المناهج التربوية إلى تحقيق الأهداف التربوية المبرمجة في ضوء الفكر الإسلامي/ تحديد حصة كل منهاج تربوي في ضوء مشاركته في تحقيق الأهداف التربوية المرحلية والعامة/ الأخذ بعين الاعتبار عند توزيع حصة كل منهاج، المناهج التي لا يمكن تعلمها إلا داخل المؤسسات التربوية، مثل العلوم والرياضيات/ مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة/ مراعاة قدرات الطلبة الفردية عند تصميم المناهج/ مراعاة الإمكانات المادية.
ولعل من الأمور التي لا ينبغي إغفالها أثناء التعريج على بعض المقارنات من هنا وهناك، هي قضية ثبات القيم وتغيرها في الفلسفة الإسلامية على وجه التحديد، وسأحاول التوصل إلى النتيجة التي أطمئن إليها من خلال المقارنة بين الفلسفتين المثالية والإسلامية في نظرة كل منهما للقيم، كالتالي:
القيم في الفلسفة المثالية والفلسفة الإسلامية بين التغير والثبات:
حددت الفلسفة المثالية – وفي الفلسفة بشكل عام – القيم في ثلاث: الأخلاق، والجمال، والحق، وهي قيم ثابتة مطلقة لا تتغير. والقيم في الفلسفة الإسلامية ثابتة أيضا لا تتغير.
ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح:
هل الفلسفة الإسلامية تطابق الفلسفة المثالية في نظرتها للقيم؟
وهل القيم في الفلسفة الإسلامية محددة؟
ما مفهومنا للإطلاق في نظرتنا للقيم في كل من الفلسفتين؟
ما المكانة الحقيقية التي وضعت كل فلسفة فيها القيم؟
من خلال ما سبق من الاتفاق على ثبات القيم، يتبين أن نظرة كل فلسفة للقيم واحدة، ولا شيء يفرق بين هذه وتلك، ولكننا بالتدبر وقليل من التمعن قد نصل إلى نتيجة على خلاف ما يظهر، وربما سنصل إلى منطقة وسط بين طرفي القضية:
أولا: تشير بعض المراجع إلى أن القيم في الفلسفة الإسلامية تصنف إلى أربع قيم: العلم والتقوى والعمل والعدل. وعلى هذا فالقيم في تحديدها تختلف عن الفلسفة المثالية التي جعلتها في الخير والجمال والحق، ولكننا نتساءل: أليست هذه أيضا قيما من قيم الفلسفة الإسلامية ولا يختلف عليها اثنان؟ ولماذا يحصر صاحب كتاب فلسفة التربية المعاصرة[33] القيم في الفلسفة الإسلامية في العلم والعمل والتقوى والعدل فقط؟
درجنا على أن القيم في الإسلام أوسع بكثير من أن تحدد في نقاط لا تزيد ولا تنقص، وتشمل كل ما من شأنه أن يحقق سعادة البشرية في الدنيا والآخرة، فالخير والحق والجمال قيم إسلامية أيضا نحرص عليها، وغيرها كثير: الصدق، والأمانة، والشجاعة… والقائمة طويلة.
ويبقى الشق الثاني من السؤال محل استفسار لعل أحدا يجد إجابة عنه.
وإذا كنا نتفق على أن القيم في الإسلام كثيرة وواسعة، فهل النظرة ذاتها للقيم في الفلسفة الإسلامية كما في الفلسفة المثالية؟
تقول الفلسفة المثالية إن القيم ثابتة مطلقة متسامية خالدة وأزلية، لا تتغير بتغير الظروف الوجودية والملابسات، مطلقة، لها كينونتها في الوجود الخارجي، سواء وجد إنسان على الأرض أم لم يوجد، وهي بطبيعتها متعالية في عالم المثل[34]. فهل القيم في الإسلام هكذا؟
القيم في الإسلام ثابتة لا تتغير أيضا، صالحة لكل زمان ومكان، فالصدق اليوم لا يكون كذبا غدا، والأمانة محمودة اليوم فلا تحمد الخيانة في يوم آخر، ولكن هذه القيم ليست لها تلك المكانة الميتافيزيقية التي تنعم بها القيم في الفلسفة المثالية، التي ترى أن القيم هي ما يجب أن يكون، ويبقى السلوك البشري هو ما يجب أن يفعل، ومهما حاول الإنسان إتيان ما يجب فعله، فإن ما يجب أن يكون يبقى مطلقا مثالا[35]
ولكننا في الفلسفة الإسلامية يغدو الإنسان – صادقا مثلا – متى ما تحرى الصدق وحرص عليه، وليس بين فعله هذا وبين قيمة الصدق كقيمة مجردة هذه المسافة بين الحقيقة العليا في برجها العاجي وبين الفعل المتحقق في الواقع، فلعلنا نستنتج من هذا أن مفهوم الإطلاق في كلا الفلسفتين ليس واحدا.
أضف إلى ذلك أن الفلسفة المثالية في مفهومها المطلق للقيم قد تتبنى ثنائية لا تقبل مساحة وسطا بين الخير والشر، والجميل والقبيح، والحق والباطل، فالجميل يبقى مثالا لا يمكن تحققه في الواقع وما يمكن تحققه منه يبقى عاجزا عن بلوغ المثال الأعلى، ولكننا في الإسلام نطلق على الشيء صفة الجمال متى ما ارتاحت له العين واطمأنت إليه النفس، فهناك ما هو جميل وهناك ما هو أجمل، فالنسبية موجودة في حكمنا على هذه القيم.
وفي السياق نفسه يذكر كتاب المناهج التربوية الحديثة أن من خصائص التصور الإسلامي الثبات[36]، وهذه سمة تنطبق دون شك على القيم أيضا، ولكننا سنرى بعد قليل أن هذا الثبات قابل للحركة، وفق ما يتطلبه الظرف الطارئ، والضرورة الملحة بما لا يحيد عن الصواب:
عندما تقول الفلسفة المثالية إن القيم ثابتة لا متغيرة، مطلقة سامية متعالية، فهي بذلك لا تقبل الظروف التي تنزل بها من مكانتها العالية مهما كانت الأسباب والظروف، ولكننا نجد في الفلسفة الإسلامية مبدأ الضرورات تبيح المحظورات، وهناك استثناءات تسمح للمسلم بالتخلي عن بعض القيم لتحقيق غاية أفضل ليس من سبيل النفعية الدنيوية، ولا جريا خلف أهواء رخيصة، على سبيل المثال:
الصدق من القيم المهمة والتي لا سبيل للتخلي عنها، وشرط مهم لتمام إيمان الفرد، ولكن الإسلام أباح للمسلم الكذب في حالات عَدَّدَها:
في حالة الحرب على اعتبار أن الحرب خدعة.
وفي إصلاح ذات البين.
وفي تودد الرجل لزوجه.
وهي أمور كلها تصب في صالح الفرد والأمة، وعندما أباح الإسلام تعدد الزوجات – مثلا – كونها قيمة اجتماعية من شأنها أن تحل عددا كبيرا من المشكلات الاجتماعية، نجده قد حد من هذه القيمة بشروط وأسباب، ولم يترك الباب مفتوحا لكل من طمح في مثنى وثلاث ورباع.
فإذن لم تكن هذه القيم معزولة في منطقة تحت السماء بقليل، وتعلو فوق ظروف البشر ومصالحهم، وعندما يعاقب الإسلام على السرقة بقطع يد السارق فإنه يعفو عن الفقير الذي لا يجد ما يسد رمقه، فقد عفا عمر بن الخطاب عن الناس في عام الرمادة، وقد راعت الفلسفة الإسلامية طبيعة النفس البشرية في نظرتها لقيمة الحق، فالنفس البشرية تمل وتسأم وتتعرض للصدأ، وقد شرع لها الإسلام الترويح عن النفس بما لا يتعارض ومبادئ الدين، ولعل أنسب ما يفسر هذا القول بيت أبي فراس:
أروح النفس ببعض الهزل تجاهلا مني بغير جهل
وقول أبي الدرداء: " أحمل نفسي بعض الباطل كراهية خوفا عليها من الحق ما يملها"
وأبلغه قول النبي الكريم: "روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلت عميت". ولعل هذا كله ما يفسر ما ورد في كتاب المناهج التربوية الحديثة حول خاصية الثبات[37]:
إن هذه الخاصية تضمن للفكر الإسلامي والحياة الإسلامية حرية التناسق مع النظام الكوني العام، وتقيه شر الفساد الذي يصيب الكون كله لو اتبع أهواء البشر.
وللقطع بموضوع تغير القيم، يطالعنا عيسى الشماس بقوله: إذا كانت لكل مجتمع قيم ثابتة تعبر عن أصالته، وتستمر مع وجوده. فإن هناك في المقابل قيما متحولة تخضع للتغير والتطوير بحسب التحولات الاجتماعية والسياسية، ولأن ثمة علاقة متبادلة بين أهداف المجتمع والقيم السائدة فيه.. علاقة تتسم بالتأثير والتأثر، حيث يعمل المجتمع على تعزيز القيم التي تخدم أهدافه، ويلغي أو يستبدل القيم التي تتعارض مع هذه الأهداف، ومع بنيته الطبقية الاجتماعية، فكلما حدث تغيير في السلم القيمي نتيجة للتغير الاجتماعي، فمن الضروري أن يحدث تغيير في أهداف المجتمع يتناسب مع هذا التغير القيمي[38].
فعيسى الشماس قد أوصلنا إلى أقصى ما أردت التوصل إليه، بل توسع ليشمل كلامه جميع القيم في جميع المجتمعات وليس فقط القيم في الفكر الإسلامي أو الفلسفة الإسلامية.
والخلاصة التي لابد من التأكيد عليها أن الثبات في القيم الإسلامية ثبات متحرك وفق مقتضيات الظروف الاجتماعية التي من شأنها تحقيق مبادئ العدل والانسجام مع النظام الكوني، وأن هذه القيم ليست معزولة عن حياة الناس وواقعهم، فلا يفصلها عن التمثل في الواقع إلا الفعل الذي يتبناها حقيقة.
هذه فروق بين الفلسفة المثالية والفلسفة الإسلامية فيما يخص جانب القيم، ارتأيت رصدها على أن تبقى مجرد وجهة نظر قابلة للخطأ والتعديل، ولكنها جاءت من باب التأكيد على مرونة المنهج الإسلامي في نظرته لكل ما يحتمل أن يكون غير قابل للتغيير وفق سنن مشروعة، على أنني أؤكد بأن الثبات في القيم الإسلامية سمة مهمة لا يلغيها ما ورد من استثناءات ضرورية تقوِّم حياة البشر.
وختاما لهذا الباب فقد كان القصد منه هو رسم الخط الفاصل بين ما هو إسلامي وغيره لتوضيح تفرد هذا الفكر في نظرته للأمور ومرونته في علاج طوارئ الظروف.
وتبقى نقطة يتيمة لابد أن أعرج عليها قبل الانتقال إلى غيرها، ألا وهي: ما الثابت؟ القيم أم نظرتنا لهذه القيم؟
الواقع الذي نعيشه مع هذه القيم، ممارسة وسلوكا، وفي ضوء ما تقدم عن الثبات والتغير في القيم، يبقى هذا السؤال الجوهري في إجابته بعيدا عن كل الاعتبارات السابقة بسبب تدخل النظرة من قبلنا لهذه القيم، وبما أن الأمر كذلك فإن الإجابة عليه لا تخلو من الصعوبة، فإذا كنا نتفق على أن القيم ثابتة ثبات متحرك، بحسب مقتضيات الظروف والطوارئ، فإن النظرة تبقى ثابتة، لسبب واحد، وهو أننا عندما نسأل عن نظرتنا لهذه القيم لا نسأل عنها من حيث النسبي والمطلق، بل من حيث هي قيمة في المجتمع، فأستطيع أن أقول الآن إن نظرتنا للقيمة لا تتغير، حتى وإن تحركت القيمة نفسها عن ثباتها، إلا إذا تكشفت الظروف عن فساد القيمة إذا كان مصدرها المجتمع بعاداته وتقاليده، فإننا سرعان ما نغير نظرتنا حيالها سلبا أو إيجابا، أما إذا كان مصدرها الأخلاق الخالصة والدين الحنيف، فهي ثابتة قيمة ومعيارا، ولكن الذي يتغير من هذا كله – وما لا يختلف عليه اثنان – هو طريقة تطبيقنا لهذه القيمة وأداؤنا لها، بحسب اختلاف الزمان والمكان والظروف التي نعيشها.
فلسفة إسلامية!
إذا كانت جميع تعريفات الفلسفة تدل بشكل عام على البحث عن حقائق الوجود سواء المتصلة بالإنسان أو المتصلة بعالمي الغيب والشهادة {العالم الميتافيزيقي والعالم الفيزيقي} عن طريق القدرات العقلية والحسية للإنسان فقط، فهل تعد الفلسفة الإسلامية التي قوامها الإيمان بما أوحى به الحق سبحانه وتعالى إلى رسله لتبليغ الهدى الذي وعد بني آدم بعد قرار الهبوط، هل تعد الفلسفة الإسلامية بهذا المعنى فلسفة؟ وقبل كل شيء هل هي فلسفة معترف بها بين الفلسفات؟ أم أن الاعتراف وعدمه لا يضر من حيث القبول بها والعمل بمبادئها؟ ولماذا لم تكن هنالك فلسفة مسيحية، وأخرى يهودية؟
يقول مؤلفا المناهج التربوية الحديثة إن العالم أو المفكر الذي يؤمن بما أوحى به الحق سبحانه وتعالى إلى رسله لتبليغ الهدى لا يعد فيلسوفا من وجهة نظر الفلاسفة، لأنه اعتقد بحقائق لم تأت عن طريق القدرات الإنسانية، وأن أصل كلمة فلسفة مشتق من اللغة اللاتينية التي تعني حب الحكمة كما سلف[39].
في الإجابة السابقة نستنتج إجابة عن سؤال الاعتراف بالفلسفة الإسلامية، ففي القول: "لا يعد فيلسوفا من وجهة نظر الفلاسفة" ما يدل على أن مسمى الفلسفة الإسلامية غير معترف به، ولكن ذاكرتنا تقول إنه كان هناك فلاسفة مسلمون: الغزالي، وابن رشد، وابن سينا، وابن خلدون، والفارابي، وغيرهم. فما دورهم إذن؟ وما الذي أضافوه إذا كان كل ما اعتقدوه وآمنوا به له مصدر ثابت {الوحي} والمعرفة فيه لا تقبل النقاش؟
الإجابة عن هذا التساؤل لا تحتاج إلى كبير جهد، لندرك أن إعمال الفكر من قبل الفلاسفة المسلمين لم يكن من باب التوصل إلى الحقائق الكبرى، التي يقر الإنسان نفسه – بل الفيلسوف – بقصر أدواته عن إدراكها، وإنما من باب التفسير والشرح، وكما قلنا في موضع سابق أن هناك فروعا وهناك أصول، فالفيلسوف أعمل فكره فيما هو متاح له للخوض فيه.
وعود على بدء، فيما يخص مسمى الفلسفة الإسلامية، فإذا عدنا إلى التعريف الذي اطمأننا إليه للفلسفة وهو أنها الخريطة الفكرية لمجتمع ما، فإن تسمية الفلسفة الإسلامية سيكون لا خطأ فيه ولا غرابة، لأنها طريقة للحياة وفق المنهج الرباني المنزل، وعليها يسير الناس، ولكن ذلك لا يمنع من وجود مسميات أخرى أقل جدلا: التربية الإسلامية، والفكر الإسلامي، وغيرها.
أما لماذا لا يوجد هناك فكر مسيحي، وآخر يهودي؟
فيؤدي هذا السؤال إلى تأكيد المعنى الذي ارتضيناه للفلسفة، فإذا كانت الفلسفة هي الخريطة الفكرية للحياة، فإن هذا المعنى غير متجسد في الفكر المسيحي أو في حياة الإنسان المسيحي أو اليهودي، لأن تمثل الحياة المسيحية أو القيم المسيحية لا يشترط فيها أن تكون مصاحبة للإنسان في كل مكان يكون فيه وفي كل الأوقات، فحياته الدينية محصورة داخل جدران الكنيسة ولا بأس أن يخالفها خارجها، فدينه ليس نظام حياة، وليس خريطة فكرية يسير على هداها، أما بالنسبة للفكر الإسلامي فالموضوع مختلف؛ لأن دنيانا دين، وديننا دين.
قائمة المراجع:
أولا: المعاجم العربية:
1. ابن منظور: لسان العرب، بيروت، دار صادر، مجلد9، ص273.
2. جبران مسعود: رائد الطلاب، بيروت، دار العلم للملايين، 1977، ط2، ص705.
3. الطاهر أحمد الزاوي: ترتيب القاموس المحيط، دار الفكر، ج3، ط3، ص545.
4. رفائيل نخلة اليسوعي: المنجد في المترادفات والمتجانسات، بيروت، دار المشرق، 1986، ط2، ص174.
ثانيا: المراجع الفلسفية:
1. توفيق أحمد مرعي – محمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، مفاهيمها وعناصرها وأسسها وعملياتها، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2001، ط2، ص147.
2. سعيد إسماعيل علي: الأصول الفلسفية للتربية، القاهرة، دار الفكر العربي، 2000، ط1، ص9-11.
3. عبد الراضي إبراهيم محمد عبد الرحمن: دراسات في فلسفة التربية المعاصرة، القاهرة، دار الفكر العربي، 2002، ط1، ص16.
4. عبد السلام عبد الرحمن حامد: أساسيات المناهج التعليمية وأساليب تطويرها، عمان، دار المناهج، 2002، ط2.
5. عيسى الشماس: الثقافة والتربية/ أدب الأطفال بين الثقافة والتربية، دمشق، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، 2000، ط1، ص122.
6. فيليب فرانك: فلسفة العلم، الصلة بين العلم والفلسفة، ترجمة د. علي علي ناصف، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983، ط1، ص33.
7. محمود قمبر – محمد وجيه الصاوي – حسن حسين البيلاوي: دراسات في أصول التربية، الدوحة، دار الثقافة، 1997، ط5، ص 383 – 401.
8. من محاضرات الدكتور ياسر فتحي الهنداوي المهدي، جامعة السلطان قابوس، كلية التربية والعلوم الإسلامية، قسم الأصول التربوية،24/9/2006م
9. نازلي صالح أحمد: مقدمة في العلوم التربوية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1983، ص8.
ثالثا: مواقع الإنترنت: www.google.com: عن الإمام الصادق عليه السلام، الفلسفة والحكمة والفرق بينهما.
[1] عبد الراضي إبراهيم محمد عبد الرحمن: دراسات في فلسفة التربية المعاصرة، القاهرة، دار الفكر العربي، 2002، ط1، ص23 – 24.
[2] أنظر مقدمة المصدر نفسه: ص9.
[3] المصدر نفسه: ص6.
[4] المصدر نفسه: ص6.
[5] نازلي صالح أحمد: مقدمة في العلوم التربوية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1983، ص8.
[6] المصدر نفسه: ص9.
[7] عبد الراضي إبراهيم محمد عبد الرحمن: دراسات في فلسفة التربية المعاصرة، القاهرة، دار الفكر العربي، 2002، ط1، ص17.
[8] المصدر نفسه: ص18.
[9] المصدر نفسه: ص30.
[10] المصدر نفسه: ص18.
[11] المصدر نفسه: ص19.
[12] المصدر نفسه: ص28.
[13] المصدر نفسه: ص28.
[14] نازلي صالح أحمد: مقدمة في العلوم التربوية، مكتبة الأنجلو المصرية، 1983، ص13.
[15] توفيق أحمد مرعي – محمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، مفاهيمها وعناصرها وأسسها وعملياتها، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2001، ط2، ص147.
[16] المصدر نفسه: ص 151.
[17] المصدر نفسه: ص144.
[18] وقد أفردت بابا مستقلا لقضية التغير والثبات في القيم في الإسلام بمقارنتها بالقيم في الفلسفة المثالية، أنظر ص من هذا البحث.
[19] محاضرات الدكتور ياسر، جامعة السلطان قابوس، كلية التربية والعلوم الإسلامية، قسم أصول التربية.
[20] محمود قمبر – محمد وجيه الصاوي – حسن حسين البيلاوي: دراسات في أصول التربية، الدوحة، دار الثقافة، 1997، ط5، ص 383 – 401.
[21] توفيق أحمد مرعي – محمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، مفاهيمها وعناصرها وأسسها وعملياتها، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2001، ط2، ص144.
[22] المصدر نفسه: ص145.
[23] المصدر نفسه: ص147.
[24] المصدر نفسه: ص 151.
[25] عبد السلام عبد الرحمن حامد: أساسيات المناهج التعليمية وأساليب تطويرها، عمان، دار المناهج، 2002، ط2.
[26] توفيق أحمد مرعي – محمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، مفاهيمها وعناصرها وأسسها وعملياتها، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2001، ط2، ص225.
[27] المصدر نفسه: ص144.
[28] المصدر نفسه: ص148.
[29] المصدر نفسه: ص226.
[30] المصدر نفسه: ص145-146.
[31] المصدر نفسه: ص 148 – 149.
[32] المصدر نفسه: ص152.
[33] عبد الراضي إبراهيم محمد عبد الرحمن: فلسفة التربية المعاصرة، القاهرة، دار الفكر العربي، 2002، ط1، ص 89.
[34] المصدر نفسه: ص86.
[35] الصدر نفسه: ص86.
[36] توفيق أحمد مرعي – محمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2001، ط2، ص 223.
[37] المصدر نفسه: ص223.
[38] عيسى الشماس: الثقافة العربية/ أدب الأطفال بي الثقافة والتربية، دمشق، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، 2000، ط1، ص27.
[39] توفيق أحمد مرعي – محمد محمود الحيلة: المناهج التربوية الحديثة، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، 2001، ط2، ص141.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق