قصور التسويق يطول أكبر جائزة في العالم العربي
منى بنت حبراس السليمية
جريدة الزمن - 16 من أغسطس 2015
ليس من قبيل المصادفة أن يجهل عدد كبير من المثقفين والمهتمين على امتداد عالمنا العربي جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، على الرغم من مرور أربعة أعوام على انطلاقتها الأولى في عام 2012، وعلى الرغم من أنها تعد الجائزة الأكبر (ماديا) في العالم العربي؛ إذ تقدر قيمتها بمائة ألف ريال عماني (مائتين وستين ألف دولار أمريكي).
وتحظى في المقابل جوائز أخرى قريبة جغرافيا بشهرة ضاربة قبل أن تنطلق نسختها الأولى. فما الذي يجعل تلك الجوائز حديث الناس، وموضوع انتظاراتهم، ومحط ترقبهم، في حين تبقى جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في الظل على الرغم من دورتها الرابعة؟!
قد يُفسر ذلك بتعدد مجالات تخصصاتها واختلافها من دورة إلى أخرى مما شتت الاهتمام، وقلص العناية بها حسب الـمُعلن عنه من التخصصات، على عكس جوائز قصرت تركيزها على مجال واحد كالرواية مثلا أو الشعر أو الدراسات السردية وغيرها. ولكن في الواقع يمكن قبول ذلك فيما لو حظيت الجائزة منذ دورتها الأولى بالعناية الإعلامية المماثلة. فهل كان الإعلام موفقا في التسويق لها مقارنة بالإعلام الآخر الذي نجح في الترويج لجوائزه؟ إذا كانت الإجابة بنعم فحينها فقط يمكن قبول السبب والأخذ بمسبباته.
إن الميزانية الكبيرة التي خصصت للجائزة لا تعدم القدرة على الترويج لها بما يليق باسمها وبقيمتها، بيد أن أزمة التسويق عندنا –كما تبدو– أزمة فنية لا مادية، فضلا عن كونها أزمة عامة ليست الجائزة إلا مثالا آخر على وجه القصور الإعلامي الذي يطول أشياء كثيرة ليس المنتج الفكري أحدها، ولن تكون الجائزة آخرها، ولنضع بينهما كل ما يسعف ذكره مما أهمله الإعلام والتسويق من فنون وتراث وسياحة وابتكار وغيره، وعلى القائمين على الجائزة تدارك ذلك كله فيما بقي من وقت قبل أن يغلق باب التسجيل للدورة الحالية في الثلاثين من شهر سبتمبر المقبل.
فليس المكسب المادي وحده هو المهم للفائز، بل القيمة المعنوية من وراء الجائزة التي لا تقل أهمية عنه بل تتفوق عليه، ولا تتأتى تلك القيمة إلا عبر الإشهار والترويج الحقيقي الذي يترافق عادة مع لحظة التدشين، وانتهاءً بلحظة الإعلان عن أسماء الفائزين، وما يستتبع ذلك بالضرورة من إشهار للمنتج الفكري الدال على صاحبه.
وليس من نافل القول التذكير بأن جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب ترعى ثلاثة فروع كبرى هي: الثقافة، والفنون، والآداب، وفي كل سنة تختار مجالا لكل فرع من الفروع الثلاثة، فضلا عن أنها تخصص المنافسة بين العمانيين وحدهم في عام، وفي العام الذي يليه تفتح باب المشاركة أمام مثقفي العرب بما فيهم العمانيون.
ففي سنتها الأولى الخاصة بالعمانيين، اختارت عن فرع الثقافة مجال الدراسات التاريخية، وفاز بها الدكتور محسن بن حمود الكندي، وعن فرع الفنون اختارت مجال الرسم والتصوير الزيتي، وفاز بها الفنان رشيد عبد الرحمن البلوشي، وعن فرع الآداب اختارت مجال القصة القصيرة، وفاز بها القاص محمود الرحبي.
وفي الدورة الثانية المفتوحة للعرب، اختارت لفرع الثقافة مجال قضايا الفكر المعاصر، وفاز بها الدكتور المغربي عبد الإله بلقزيز، وعن فرع الفنون اختارت مجال الموسيقى، وفاز بها الموسيقار المصري أمير عبد المجيد، وعن فرع الآداب اختارت مجال الشعر الفصيح، وفاز بها الشاعر العماني سيف الرحبي.
وفي الدورة الثالثة المخصصة للعمانيين، اختارت عن فرع الثقافة مجال الدراسات التربوية، وفاز بها الدكتور سعيد بن سليمان الظفري، وعن فرع الفنون اختارت مجال التصوير الضوئي، وفاز بها المصور أحمد بن عبد الله الشكيلي، وعن فرع الآداب اختارت مجال التأليف المسرحي، وفاز بها المؤلف عماد بن محسن الشنفري.
وفي الدورة الحالية التي تعاود فتح باب المشاركة أمام العرب من جديد، فقد تم اختيار مجال دراسات اللغة العربية عن فرع الثقافة، ومجال الخط العربي عن فرع الفنون، ومجال أدب الطفل عن فرع الآداب.
فهل ستنجو الجائزة من غفلة الإعلام أخيرا؛ لتكون مركز ثقل عربي يوزع التقدير بالتساوي على صنوف الإبداع كافة، من دون مفاضلة تستتبع حديثا بات عقيما عن موت جنس، وإعلان حياة جنس آخر لمجرد جائزة التفتت إلى هذا دون ذاك؟ هل سيكون الانتصار للإبداع في ذاته قيمةً ومعنى متجاوزة الإشكالات المرتبطة بلجان التحكيم، وتوجهاتها في عالمنا العربي، التي تعودنا أن تثار بعد كل نتيجة لتطغى على الحديث عن الفائز ومنجزه؟!
وإذا كان لابد من اقتراحات للجائزة بعد سنواتها الأربع، فمن الضروري التفكير في النقاط الآتية:
ـ لا بد من ورش تقويمية للجائزة يستدعى إليها بعض الخبراء من المثقفين العرب المختصين في مجالات الجائزة.
ـ ضبط المجالات بنحو دقيق؛ خشية وقوع اللبس واتساع دوائر الحقول المعرفية في المجال الواحد، فدراسات اللغة العربية مثلا تشمل الدراسات الأدبية والنقدية واللسانية، وكذلك الشأن بالنسبة لمجال قضايا الفكر المعاصر قبلها.
ـ أن تمر الجائزة بمراحل ثلاث: مرحلة اللائحة الطويلة، ومرحلة اللائحة القصيرة، ومرحلة التتويج. وينبغي الإعلان عن اللائحة القصيرة في العام الذي يتنافس فيه العرب في قطر عربي معين، ويُستدعى له الإعلاميون العرب المتخصصون في الإعلام الثقافي، وبعض الضيوف من كبار النقاد والمثقفين.
- التدقيق في لجان التحكيم واستدعاء أهل الدراية لتكوينها، والحرص على إعلان التبرير العلمي لاختيار الفائزين بالجائزة.
ـ قد يكون من المناسب اقتراح جائزة موازية للمؤلف الشاب وتخضع لمواصفات جائزة الكبار نفسها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق